
البطريرك الماروني الكاردينال مار بشاره بطرس الراعي
وجّه البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي من كنيسة السيدة في الصرح البطريركي في بكركي رسالة الميلاد لعام 2025، بعنوان: «أبشّركم بفرح عظيم: وُلد لكم اليوم المخلّص»، إلى اللبنانيين عموماً والمسيحيين خصوصاً، بمشاركة لفيف من المطارنة والرؤساء العامين والرئيسات العامات، والكهنة والرهبان والراهبات وأعضاء الإكليروس، وفي حضور رئيس الرابطة المارونية المهندس مارون الحلو، وأمينها العام المحامي بول يوسف كنعان، ورئيس المجلس العام الماروني ميشال متى على رأس وفد من المجلس.
وقال البطريرك الراعي إن اللبنانيين ما زالوا يعيشون فرح زيارة قداسة البابا لاون الرابع عشر إلى لبنان في أواخر تشرين الثاني وأوائل كانون الأول الجاري، شاكراً قداسته على رسالة السلام التي حملها إلى اللبنانيين، مكرّراً عبارته: «السلام ممكن»، في وجه التهديدات بالحرب. ولفت إلى أنه ما إن غادر البابا لبنان، حتى جاءت في اليوم التالي الموافقة الأميركية والإسرائيلية على بدء المفاوضات الأمنية وتطبيق القرار 1701 وما يتصل به، عبر الميكانيزم برئاسة السفير سيمون كرم. وأكد أن الكنيسة تصلي من أجل نجاح هذه المفاوضات وإبعاد شبح الحرب، وتمكين الجيش اللبناني من جمع السلاح غير الشرعي وحصره بيد السلطة الشرعية، لكي تبسط سيادتها على كامل الأراضي اللبنانية.
كما شكر قداسة البابا على الرجاء والثقة بالنفس اللذين زرعهما في قلوب اللبنانيين، داعياً إلى الصلاة على نيته لكي يسدّد الله خطاه في رعاية الكنيسة بروحانية القديس بطرس الرسول، والاقتداء بالمسيح، الراعي الصالح.
وإلى جانب الهمّ الأمني، شدد البطريرك الراعي على الوجع الاجتماعي العميق الذي يعيشه اللبنانيون، لافتاً إلى معاناة العائلات في معيشتها، وفي تعليم أولادها، وفي استشفائها، وفي تأمين أبسط مقومات الحياة. وأكد أن الوضعين الاقتصادي والمالي ما زالا يضغطان بقسوة، وأن قيمة الليرة، رغم كل الكلام، لا تزال تثقل كاهل المواطن، فيما الإصلاحات الموعودة لا تزال غائبة.
وقال إن الحقيقة المؤلمة هي أن المواطن اللبناني وحده يدفع الثمن، بصبره وكرامته وتضحياته، وهو الذي قام بالدولة حين غابت، وحمل المؤسسات حين تهاوت، وصمد حين انهار كل شيء، معتبراً أن المواطن اللبناني هو البطل الصامت، والمناضل اليومي، والمقاوم بالحياة لا بالشعارات.
وأكد البطريرك أن لبنان اليوم لا يحتاج إلى إدارة أزمات متلاحقة، بل إلى رؤية وطنية شاملة وإرادة سياسية صادقة تخرج البلاد من منطق الترقيع والانتظار إلى منطق البناء والمسؤولية. وشدد على الحاجة إلى دولة حاضرة لا غائبة، عادلة لا انتقائية، قوية بمؤسساتها لا بهشاشتها، دولة تحمي الإنسان بدل أن تتركه وحيداً في مواجهة مصيره.
وناشد المسؤولين السياسيين أن يجعلوا من الإصلاح أولوية لا شعاراً، ومن الشفافية نهجاً لا استثناء، ومن العدالة قاعدة لا تنازلاً، مؤكداً أن الإصلاح الاقتصادي والمالي لم يعد خياراً بل ضرورة وجودية، تبدأ بإعادة الثقة، وتنظيم المالية العامة، وحماية أموال الناس، وضمان حقوقهم، وتأمين الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي الكريم.
كما دعا إلى وضع الإنسان في صلب السياسات العامة، الإنسان الذي يتألم ويعمل ويربي أبناءه بعرق جبينه، وينتظر من دولته أن تكون له سنداً لا عبئاً، محذّراً من أن الدولة التي لا تحمي مواطنيها تفقد معناها ومبرر وجودها. وناشد، بروح الميلاد، اختيار المصالحة بدل الانقسام، والحوار بدل التعطيل، والمصلحة العامة بدل المصالح الضيقة، مؤكداً أن الوطن لا يُبنى بالغلبة ولا يُدار بالخصومات الدائمة، بل بالتلاقي والعمل المشترك وتقديم التنازلات المتبادلة من أجل لبنان، لأن التاريخ لا يرحم والأجيال المقبلة ستحاسب.
وتناول البطريرك الراعي في رسالته موضوعين أساسيين في رسالة الكنيسة: التربية والاستشفاء. فأكد أن المدارس الكاثوليكية تشكّل الرأسمال التربوي الحقيقي للبنان، إذ لا يقتصر دورها على التميّز الأكاديمي، بل يمتد إلى التربية على القيم الروحية والإنسانية والأخلاقية، وثقافة السلام، وروح المواطنية، واحترام التعددية، ضمن رؤية تربوية إنسانية شاملة تجعل منها ثروة فعلية للكنيسة وللبنان معاً.
وأوضح أن عدد هذه المدارس يبلغ 310 مدارس موزعة على كامل الأراضي اللبنانية، تضم نحو 200 ألف تلميذ، ثلثهم من غير المسيحيين، و15 في المئة منهم في التعليم المجاني، موزعين على 90 مدرسة مجانية تقع غالبيتها في المناطق الجبلية والأطراف حيث لا وجود لمدارس رسمية أو خاصة. ولفت إلى أن هذه المدارس صمدت في وجه الأزمات المتعاقبة، وصولاً إلى الحرب الأخيرة التي دمّرت بعض القرى، لكنها استمرت في احتضان أبنائها وتأمين أوضاعهم خلال النزوح.
غير أن البطريرك حذّر من التحديات المصيرية التي تواجه المدارس الكاثوليكية والقطاع التربوي الخاص عموماً، وفي طليعتها الأزمة المالية الخانقة الناتجة عن الانهيار الاقتصادي، وغموض مصير تعويضات وتقاعد المعلمين، والإقفال التدريجي للمدارس المجانية نتيجة تقصير الدولة في دفع مستحقاتها المتراكمة منذ عام 2019، والتأخر في تشكيل المجالس التحكيمية، إضافة إلى الافتقار إلى تشريع عصري وعادل مبني على روح تشاورية.
وفي الشأن الصحي، أكد أن المستشفيات في لبنان تشكل الركيزة الأساسية للنظام الصحي، وتلعب دوراً محورياً يتجاوز تقديم العلاج إلى الحماية الاجتماعية والأمن الصحي، وهي خط الدفاع الأول في مواجهة الحروب والأوبئة والكوارث. وأشار إلى أن المستشفيات الخاصة تمثل 80 في المئة من القطاع الاستشفائي، وقد أثبتت جدارتها خلال الأزمات والحروب، لكنها لا تزال ترزح تحت أعباء مالية كبيرة، من أجور وطاقة وغلاء مستلزمات طبية، وتعرفات لا تعكس الكلفة الحقيقية، معرباً عن الأمل في تجاوب الهيئات الرسمية والخاصة مع مطالبها المحقة لضمان استمرارها في تقديم خدمات استشفائية جيدة ومميزة.
وفي ختام رسالته، سأل البطريرك الراعي الطفل الإلهي أن يحيي في القلوب فضيلة الرجاء، وأن يمنح الجميع نعمة أن يكونوا «صانعي سلام»، قائلاً: «وُلد المسيح، هللويا!».