
مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان في قاعة مسجد محمد الأمين بحضور رئيس الحكومة نواف سلام و رؤساء سابقين و عدد من الشخصيات والإعلاميين
أحيت المديرية العامة للأوقاف الإسلامية في لبنان ذكرى المولد النبوي الشريف، خلال احتفال أقيم في قاعة مسجد محمد الأمين في وسط بيروت، بحضور رئيس مجلس الوزراء القاضي نواف سلام، ومفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان، ورؤساء الحكومات السابقين نجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة وتمام سلام وحسان دياب، ووزير الداخلية والبلديات العميد أحمد الحجار، إلى جانب عدد من النواب والوزراء الحاليين والسابقين، ورئيس المحاكم الشرعية السنية الشيخ محمد عساف، ومفتي المناطق اللبنانية، وأعضاء المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، وقاضي شرع ومدير عام الأوقاف بالتكليف الشيخ زهير كبي، وعدد من العلماء والإعلاميين والشخصيات.
واستُهل الاحتفال بتلاوة آيات من القرآن الكريم بصوت القارئ الدكتور الشيخ محمد البيلي، فيما تولى الدكتور الشيخ مازن قوزي تقديم فقرات المناسبة، وتلا أمين فتوى طرابلس الشيخ بلال بارودي السيرة النبوية الشريفة.
وألقى المفتي دريان كلمة تناول فيها معاني ذكرى المولد النبوي الشريف، مستحضراً سيرة النبي محمد ودوره في إحداث تحول تاريخي وديني وحضاري امتد أثره إلى مختلف أنحاء العالم.
وقال إن ذكرى المولد هي مناسبة للمحبة والاستبشار، مشيراً إلى أن ولادة النبي محمد كانت حدثاً استثنائياً تجاوز حدود مكة والجزيرة العربية، بعدما أصبحت أقواله وأفعاله مرجعاً لمليارات المسلمين، وأسهمت رسالته في تغيير مصائر أجيال متعاقبة.
وتوقف دريان عند تواضع النبي محمد، مستشهداً بأحاديث من سيرته، مؤكداً أن عظمة الرسول تجلت أيضاً في قربه من الناس وابتعاده عن مظاهر التكبر والتجبر، إلى جانب ثباته على دعوته ومبادئه رغم كل الضغوط التي تعرض لها.
وانتقل المفتي إلى الواقع اللبناني والعربي، معتبراً أن الأمة والأوطان تواجه في المرحلة الراهنة تحديات كبرى، في ظل الحرب في غزة والاعتداءات الإسرائيلية على لبنان وسقوط الضحايا يومياً.
وأكد دعم دار الفتوى للعهد الجديد وللحكومة ورئيسها في مساعيهم إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وتحرير الأراضي اللبنانية، وترسيخ سلطة الدولة على كامل الأراضي، إلى جانب العمل على معالجة الأزمة الاقتصادية والمعيشية.
كما شدد على أهمية تطوير العلاقات اللبنانية مع سوريا، وتعزيز العلاقات مع المملكة العربية السعودية، مشيراً إلى دورها في خدمة الحرمين الشريفين ودعم استقرار العالمين العربي والإسلامي، ومتطرقاً إلى التحالف الدفاعي الجديد مع تركيا وباكستان.
وفي الشأن الداخلي، اعتبر دريان أن إقرار قانون العفو العام يشكل خطوة لمعالجة ملف مزمن، وإن كان يطمح إلى أن يكون القانون أوسع وأشمل، كما أعرب عن أمله في أن تصل التحقيقات في جريمة انفجار مرفأ بيروت إلى العدالة، بما يعيد بعض السكينة إلى قلوب المتضررين وأهالي الضحايا.
وشدد على أن المرحلة الجديدة التي أطلقها العهد وسارت بها الحكومة تستوجب تعزيز الثقة، داعياً إلى أن تنسحب هذه الثقة على ملف انفجار المرفأ، بما يضمن الوصول إلى العدالة وإراحة اللبنانيين.
وفي موقف لافت، دعا المفتي إلى امتلاك “شجاعة الأمل” و”شجاعة السلم”، معتبراً أن السلام قد يكون في كثير من الأحيان أصعب من الحرب. واستشهد بصلح الحديبية، لافتاً إلى أن النبي محمد اختار المهادنة رغم اعتراض بعض أصحابه، قبل أن تتحول تلك الخطوة إلى محطة مفصلية وُصفت في القرآن الكريم بالفتح.
ورأى أن قرار المهادنة بهدف وقف الاعتداءات والدمار الواسع هو قرار شجاع، وأن الحرب قد لا تكون الخيار الملائم في المرحلة الراهنة، داعياً إلى اعتماد رؤية تستند إلى حماية الحياة الكريمة وفتح الطريق أمام مستقبل أفضل للبنانيين.
وأكد دريان أن مساعي الحكم اللبناني لوقف الاعتداءات الإسرائيلية والدمار الواسع تمثل “مسعى شجاعاً وحكيماً”، مشدداً على أن البلاد، وبعد عقود من الحروب والصراعات، تحتاج إلى مسار يضع حداً للعنف ويؤسس لمرحلة من الاستقرار.
وتطرق المفتي إلى الوضع داخل دار الفتوى، مؤكداً أن أي استهداف لرئاسة الحكومة هو استهداف للوطن بكل طوائفه، كما رفض استهداف أي من الرئاسات الثلاث، معتبراً أن التعاون والتنسيق بينها يشكلان ضمانة لوحدة لبنان ووحدة أبنائه.
وقال إن دار الفتوى ستواصل أداء رسالتها الدينية والوطنية على أساس الاعتدال والوسطية، مهما اشتدت الضغوط، مشدداً على ضرورة إبقاء المؤسسة الدينية بعيدة عن الاستقطابات والانقسامات.
وأشار إلى أن المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، الذي يشكل ركناً أساسياً في دار الفتوى منذ صدور المرسوم الاشتراعي رقم 18 عام 1956، يتمتع بصلاحيات تشريعية واضحة، داعياً إلى اعتماد الحكمة والعقل للحفاظ على مكانة دار الفتوى واحترامها وإبعادها عن الانقسامات.
وشدد دريان على أن الدين يجب أن يبقى قوة ناعمة ومساحة جامعة، محذراً من إدخاله في دوامة الانقسامات التي تؤدي إلى العنف والفرقة والنزاعات.
وختم بالتأكيد على أهمية الوحدة الوطنية، مستشهداً بقول السيدة عائشة، رضي الله عنها، في وصف أخلاق النبي محمد: “كان خلقه القرآن”، داعياً اللبنانيين إلى تجنب النزاعات والانقسامات، والحفاظ على الدولة ومؤسساتها باعتبارها المظلة الجامعة التي تحمي البلاد من العواصف والتحديات.
وفي ختام كلمته، توجه دريان بالدعاء بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، سائلاً الله أن ينير القلوب بالمحبة والتسامح والسكينة، وأن يوفق الجميع إلى العمل من أجل سلام الإنسان وسلامة لبنان ودولته.