
بهاء الحريري
كتب الشيخ بهاء الحريري في “أريبيان بزنس”: قبل أكثر من عام بقليل، كان تركيز العالم على لبنان حيث عانت البلاد من الآثار المشتركة لانفجار بيروت وتداعيات جائحة كورونا. لم يتغير شيء يذكر في الأشهر الـ 12 الماضية، باستثناء أنّ العالم لم يعد يهتم.
إنّ الذكرى السنوية الأخيرة لحركة عدم الانحياز، التي وقع عليها لبنان، هي تذكير بأنّ لبنان لا يزال ملزماً بمصالح أخرى، على الصعيدين المحلي والإقليمي. بالرغم من أننا وقعنا على ميثاق ينبغي أن يحمي حدودنا واستقلالنا، لا تزال أراضينا ذات السيادة، هي ساحة قتال لصراعات البلدان الأخرى.
كفى! لقد الآن الوقت لكي يحدد لبنان مصيره.
بعد عام من المشاحنات الداخلية وعمليات انتزاع السلطة الطائفية التي عرقلت كل الجهود الرامية إلى إقامة جزء أساسي من الاستقرار، أصبح لدينا أخيراً حكومة. ولكن، لا يمكننا أن ننخدع بالتفكير أن هذا سيكون نهاية لمصاعبنا أو حلاً لمشاكلنا. نظراً لأنّ هذه الحكومة “الجديدة” مصنوعة من المجموعات والأشخاص الذين أبقوا لبنان على حافة الهاوية لسنوات، فأنا لست متفائلاً.
نحن نواجه تحديات على جميع الجبهات: انقطاع التيار الكهربائي مما يؤدي إلى عدم قدرة المستشفيات على العمل في وقت لا تزال فيه كورونا مصدر قلق كبير، بالإضافة إلى تعفّن الطعام الثمين في الثلاجات التي أصبحت دافئة؛ واجه ثلث السكان نقصاً حاداً في المياه في ذروة الصيف؛ البحث عن البنزين (ناهيك عن التكلفة) يكاد يكون مستحيلاً؛ في حين تُواصل النخب السياسية الحاكمة والراسخة اقتراح نفس السياسات الفاشلة.
في الواقع، أولئك الذين استفادوا من نهب لبنان، من السقوط السياسي الحر؛ ومن الانقسام الطائفي، قد دمروا كل شيء، من المبادئ الأساسية للديمقراطية إلى البنية التحتية الحيوية التي يحتاجها شعبنا للبقاء على قيد الحياة.
نحن نفتقر إلى خدمات التعليم والرعاية الصحية. نحن نفتقر إلى نظام قانوني عادل، يدعم القيم الأخلاقية ويفرض المساءلة، ويضمن عدم التدخل السياسي في التحقيق ويتهم المتورطين في انفجار بيروت.
كما علينا الإضاءة على مصير اللاجئين السوريين الذين فروا من بلادهم بحثاً عن حياة أفضل، والذين قرروا العودة إلى المكان الذي حاولوا بكل يأس الهروب منه. كلّ ذلك يدلّ على الفوضى التي تحكم لبنان الآن.
كنت قد حذرت مراراً خلال العام الماضي: لبنان على حافة الهاوية. من غياب المساءلة والشفافية في نظام فاسد ومكسور بطبيعته، إلى الافتقار التام إلى التعاطف والرعاية التي يستحقها المواطنون بشدة، والتي تعتبر من حقهم، فإنّ لبنان على وشك الانهيار.
إن لبنان بحاجة إلى إصلاح شامل وإلى إعادة بناء جهاز الدولة بالكامل.
هناك مجموعات على الأرض في لبنان تقترح ذلك بالضبط. من ضمنها، سوا للبنان، التي أؤيدها، والتي تملك خطة إصلاح شاملة. إنها تعالج كل جانب من جوانب المجتمع والاقتصاد والحكومة، بطريقة تحمّل أولئك الذين استفادوا من هذه الفوضى المسؤولية، مما يسهّل عملية التغيير. تغيير حقيقي.
تُدرك هذه الحركة الشعبية ما لم تدركه الطبقة السياسية في لبنان: بأنه يجب على لبنان أن يحدد مصيره ويتوقف عن البحث والانتظار للحصول على المساعدة من الخارج. نحن بحاجة إلى الاستثمار في شكل جديد من أشكال السياسة. نوع جديد يعمل من أجل الشعب ويكون مسؤولاً أمام الناس. الأمر الذي يؤدي إلى إزالة القبضة الطائفية عن جسد لبنان السياسي عبر إلزامية فصل الدين عن السياسة.
يحتاج لبنان إلى إصلاحات تشريعية تكرّس في القانون تدابير الحماية الأساسية اللازمة لضمان عدم تمكن عصابة فاسدة من السيطرة مرة أخرى على الدولة. ومن شأن وجود جهاز قضائي مستقل يتمتع بسلطة التصرف بسرعة وحزم ضد التأثيرات الخبيثة، أينما كانت أو أياً كانت، أن يوفر هذا الأمن.
في الأشهر والسنوات المقبلة، ستواجه حركات مثل ” سوا ” معركة شاقة لأنها تمثل تهديداً وجودياً للطبقة السياسية اللبنانية التي تكافح بشدة للحفاظ على قبضتها الضعيفة على السلطة.
ومع ذلك، تتمتع حركات مثل ” سوا ” بتأييد شعبي كبير في لبنان. ولكن الوقت ليس في صالحنا. ففي كل يوم نؤخر فيه العمل، يتدهور الوضع، ويستعد أمثال حزب الله علناً للاستفادة من الانهيار المحتمل للبنان فتصبح مهمة إعادة البناء أكثر صعوبة.
لم يفت الأوان بعد. من خلال حركات مثل سوا، يمكن للبنان التحكم والسيطرة على مصيره وبالتالي توفير السلام والازدهار لشعبه والمنطقة.