
جنود من الجيش اللبناني ينتشرون في قرية زوطر الغربية، جنوب لبنان، في 21 يوليو 2026. رويترز
يكثّف لبنان اليوم مساره التشريعي في محاولة أخيرة لإقناع مجموعة العمل المالي بجدّية التزامه قبل موعد المراجعة المقرّر في تشرين الأول المقبل، غير أنّ المسافة بين وتيرة الإصلاح ومتطلبات الخروج من اللائحة الرمادية لا تزال واسعة وفقاً للأكاديمي و الخبير الإقتصادي البروفسور بيار الخوري الذي قال في حديث لصوت بيروت أنترناشونال:
دخل لبنان اللائحة الرمادية في الخامس والعشرين من تشرين الأول 2024، بعد فشله في تنفيذ ستة وأربعين إجراءً تصحيحياً كانت مطلوبة منه خلال مهلة سماح سابقة، إذ بقي واحد وعشرون منها بلا تنفيذ ونُفّذ خمسة وعشرون جزئياً فقط، ومنحته المجموعة مهلة حتى نهاية العام الحالي لإثبات جدّيته، على أن يبقى خاضعاً للمراقبة المعزّزة حتى موعد المراجعة المقبلة في تشرين الأول.
وكشف الخوري عن معلومات متقاطعة من أوساط متابعة لاجتماعات باريس تشير إلى أنّ التوجّه السائد لا يقتصر على إبقاء لبنان على اللائحة، بل يشمل أيضاً عدم فتح ملفه لإعادة تقييم جديدة قبل نهاية العام، بما يجعل من محطة تشرين الأول اختباراً لمسار الإصلاح لا فرصة للخروج الفوري.
و لفت الخوري إلى أن الأشهر الأخيرة شهدت حركة تشريعية لافتة، ففي نيسان 2025 أقرّ مجلس النواب تعديلات على قانون السرية المصرفية منحت الهيئات الرقابية حق الوصول الدائم والمباشر إلى البيانات المصرفية بالاسم ضمن مهامها الاعتيادية، بعدما كانت السرّية عائقاً أمام أي رقابة فعلية، وأعقب ذلك إقرار الحكومة مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، الذي يعالج فجوة مالية تُقدَّر بثمانين مليار دولار ويضمن لصغار المودعين استرداد ودائعهم كاملة خلال أربع سنوات، إلا أنّ هذا المشروع لا يزال عالقاً في اللجان النيابية وسط انقسام سياسي وخلاف حول مصادر التمويل, مشيراً إلى أن الأحدث في هذا المسار هو التعديلات التي أقرّها المجلس النيابي في جلستيه التشريعيتين في الحادي عشر والثاني عشر من آب الجاري على قانون إصلاح أوضاع المصارف وإعادة تنظيمها، القانون رقم ثلاثة وعشرين الصادر أصلاً في آب 2025 والذي أبطل المجلس الدستوري بعض بنوده، و جاءت الصيغة المعدَّلة بعد سبع جلسات عمل في لجنة المال والموازنة، وبعد مشروعين حكوميين متعاقبين أخذا بملاحظات صندوق النقد الدولي ومصرف لبنان، وتهدف إلى وضع إطار قانوني حديث يواكب المعايير الدولية، يمكّن الدولة ومصرف لبنان من معالجة تعثّر المصارف مع حماية الودائع والحدّ من استخدام المال العام في عمليات الإنقاذ.
ويقول، يندرج هذا القانون في ما بات يوصف بالتشريع المتدرّج المرتبط بشروط صندوق النقد، وقد لقيت الصيغة التي أُقرّت صدى إيجابياً في الأوساط الخارجية، وإن ظلّت قابلة لمراجعة إضافية عند الانتقال إلى قانون متصل به، وإلى جانب هذا المسار التشريعي، سجّلت الحكومة تقدّماً على المستوى الإنفاذي، إذ أحالت أكثر من مئة شركة إلى النيابة العامة المالية بتهمة التهرّب الضريبي المتعمّد، ورفعت التحصيل الجمركي بنسبة مئة وثمانية في المئة خلال سنة واحدة، فيما ارتفعت إيرادات الدولة من 3.9 مليارات دولار في 2024 إلى ستة مليارات دولار في 2025. غير أنّ ملف استقلالية القضاء، وهو من الشروط الجوهرية لدى المجموعة، لا يزال يراوح مكانه في مسار تشريعي متعثّر.
ويختم الخوري، بين هذا وذاك، تبقى الصورة مزدوجة. فلبنان يسير اليوم بخطى تشريعية أوسع من أي مرحلة سابقة منذ دخوله اللائحة، لكنّ النمط الذي أدخله إليها أصلاً، أي التنفيذ الجزئي البطيء، لا يزال حاضراً في أكثر الملفات حساسية، وتحديداً في قانون الفجوة المالية العالق نيابياً، وفي استقلالية القضاء غير المحسومة. والأرجح أنّ لبنان سيدخل استحقاق تشرين الأول وقد راكم تقدّماً تشريعياً، دون أن يكون قد أنجز الاستحقاقات الأكثر حساسية بما يكفي لضمان خروج كامل من اللائحة قبل نهاية العام.