
سجن رومية
لم يكن إقرار البرلمان اللبناني لقانون العفو العام مجرد حدث تشريعي اعتيادي، فقد رافقت هذا النص القانوني حملات شرسة من التخويف والشيطنة والتضليل الإعلامي، وهي حملات تقف خلفها غالباً غايات سياسية وانتخابية.
إن الهدف الفعلي لهذه الحملات ليس حماية “دولة القانون”، بل إبقاء الجرح اللبناني نازفاً واستغلال هواجس المواطنين للتغطية على الفشل المؤسسي والقضائي المزمن الذي كانت هذه الأطراف شريكة فيه، بالإضافة إلى سعي البعض لتسجيل نقاط سياسية أو انتخابية من خلال توظيف موضوع إنساني وطني حساس في سوق المزايدات السياسية.
وقد وصلت هذه الأصوات إلى مرحلة من الوقاحة السياسية التي لم تعد تُحتمل، فهي تتبنى خطاباً تحريضياً يصب الزيت على النار ولا يظهر أي نضج أو حكمة سياسية، غير عابئة بتأثير ذلك على السلم الأهلي والمجتمعي، ولا مكترثة بآلام شرائح واسعة من اللبنانيين نتيجة الظلم الذي عانت منه، متبعةً أسلوباً شعبوياً لا يتناسب مع المرحلة الدقيقة التي تمر بها البلاد، ولا مع المتغيرات الكبرى التي جرت في الإقليم.
مقاربات أكاديمية تتعاطى مع الكارثة بعقل بارد
في المقابل، تثير بعض الأصوات الأكاديمية المنتقدة لقانون العفو دهشة و حيرةً لدى المتابع؛ إذ تتعاطى هذه الأصوات مع كارثة السجون في لبنان بلغة باردة وأعصاب هادئة من وراء المكاتب المكيفة، و يغيب البعد الإنساني تماماً عن نقاشاتهم التي تتعامل مع “المعضلة المزمنة للسجون اللبنانية” وكأنها مسألة نظرية بحتة، متجاهلين حرارة الواقع المأساوي اليومي لآلاف السجناء، حيث قضى عشرات الموقوفين نحبهم خلال العام الماضي بسبب نقص الرعاية الطبية، حينها لم تتحرك أقلام هؤلاء للكتابة ولا أصواتهم للحديث، وربما كانت ستختلف مقاربتهم جذرياً لو عاشوا تجربة السجن بأنفسهم أو كان لهم أبناءٌ وأقارب خلف القضبان، فهم يتحدثون بطريقة طوباوية مغرقة في المثالية، وكأنهم منفصلون عن الواقع اللبناني المتشابك والبالغ التعقيد اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وطائفياً.
وبناءً على ذلك، سنحاول هنا تفنيد بعض الاتهامات والشائعات التي يتم استخدامها للتصويب على قانون العفو العام ومهاجمته وتخويف اللبنانيين منه.
المستثنون أكثر من المستفيدين
إذا غصنا في المواد القانونية التي تضمنها القانون، تتهاوى أسطورة “العفو الشامل للمجرمين” التي يُروج لها المضللون؛ إذ أظهرت النصوص التشريعية صرامة فائقة جعلت المستثنين من القانون أكثر بكثير من المستفيدين منه. فبنظرة سريعة على القانون نجد أن العفو قد استثنى استثناءً قاطعاً وحاسماً الجرائم الجسيمة، و الاعتداءات على المدنيين أو عناصر الجيش والقوى الأمنية، وجرائم القتل العمد والقصد وغيرها والاغتيالات السياسية وجرائم الاغتصاب، وجرائم الخيانة والتعامل مع العدو الإسرائيلي. إذن، القانون لم يُصمم لفتح أبواب السجون أمام كبار المجرمين كما يروج البعض، بل وُضع لمعالجة الاختلالات الجسيمة في التوقيف الاحتياطي وتخفيف العقوبات بطريقة تعيد تصحيح مسار العدالة المريضة والمترهلة.
الإسلاميون، أكبر المتضررين وأقل المستفيدين
تُعدّ قضية الموقوفين “الإسلاميين” من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً؛ فقد احتُجز الكثيرون منهم لسنوات طويلة تحت شعارات أمنية فضفاضة، ودون محاكمات عادلة في كثير من الأحيان بسبب سيطرة جهات سياسية معروفة على “المحكمة العسكرية” التي يمثل أمامها المحاكمون بقضايا الإرهاب عادةً.
ومع انكسار وتغيُّر المعادلة السياسية والأمنية السابقة في سوريا بانهيار نظام قديم وقيام إدارةٍ جديدة، وجدت الدولة اللبنانية نفسها في موقف المتناقض مع ذاتها. فالمعايير التي استُخدمت سابقاً لشيطنة وتأطير هؤلاء الموقوفين وسجنهم بناءً على معادلات وصاية وتوازنات إقليمية سابقة لم تعد قائمة اليوم. ومن هنا، جاء قانون العفو ليفكك هذه العقدة، ويرفع الظلم عن ملف بقي جرحاً وطنياً وإنسانياً نازفاً لسنوات.
ومع ذلك فإن الأرقام تشير إلى أن عدد هؤلاء هو الأقل من بين السجناء المستفيدين من قانون العفو، حيث إن العفو استثناهم نهائياً وبشكل مطلق واستفادوا فقط من تخفيض طفيف لبعض العقوبات، ولا ننسى هنا أن الحكومة اللبنانية كانت قد قامت بالإفراج عن عدد كبير منهم ممن يحملون الجنسية السورية حصراً، وسلمتهم إلى بلادهم مؤخراً، في خطوة نالت رضاً عربياً وإقليمياً واعتبرت بادرة إنسانية طيبة لفتح صفحة جديدة من العلاقات مع دمشق، حيث رُحِّل حينها كل من أمضى منهم أكثر من عشر سنوات في السجون اللبنانية، وهو ما يفرض على الدولة إنصاف أقرانهم المتبقين من مواطنيها.
ملفات المخدرات.. ومظلومية أبناء البقاع
أما في ملف جرائم المخدرات الذي أثار اللغط، فقد ميز القانون بشكل حاسم بين “صغار الكسبة والمستهلكين” الذين دفعهم العوز وظروف الحياة القاسية لشرك الإدمان، وبين “تجار السموم والمهربين الكبار”. إن الهدف من العفو في هذا الشق ليس التغاضي عن الجريمة، بل إنقاذ الضحايا الذين تحولوا إلى حطب لشبكات المافيات، مع الإبقاء على ملاحقة المروجين والتجار الأساسيين واستثنائهم من مفاعيل العفو.
وبذلك يسعى القانون الجديد إلى إنصاف ضحايا عقود من الإهمال الحكومي التنموي والاقتصادي في مناطق مثل البقاع وبعلبك الهرمل، حيث أُجبر الأهالي تاريخياً على البحث عن موارد رزق بديلة، ليجدوا أنفسهم اليوم يشكلون النسبة الأكبر من الملاحقين في قضايا المخدرات، والتي باتت تستحوذ على نحو 40% من مجموع الملفات القضائية في لبنان.
وقد تفاقمت مظلومية هؤلاء عندما تحولت آليات التفتيش الرقمي إلى مصيدة جماعية؛ إذ تستند غالبية هذه الملاحقات إلى بيانات وسجلات الهواتف المحمولة للموقوفين، حيث يؤدي مجرد ورود اسم الشخص ضمن تواصل هاتفي ما إلى إدراجه تلقائياً في خانة الشبهة والملاحقة.
وأمام الخوف من التوقيف، يضطر الكثيرون للتخلف عن التحقيق، لتنهمر بحقهم الأحكام الغيابية ومذكرات التوقيف، مما كرس واقعاً من القهر الاجتماعي والجغرافي طال آلاف الأبرياء في جغرافيا لبنانية مهمشة. ومن هنا، يأتي قانون العفو ليعالج هذا الخلل الهيكلي ويُعيد نصاب العدالة، مع التأكيد الصارم على استثناء كبار التجار والمروجين من مفاعيله ومواصلة ملاحقتهم بلا تهاون.
مبدأ “الفرصة الثانية”
من زاوية أخرى عند الحديث عن المستفيدين من العفو، ينبغي التذكير أن العفو لا يعني “محو الجريمة” بالمطلق، بل هو تجسيد قانوني وإنساني لـ “مبدأ الفرصة الثانية”؛ فهو يمنح الأفراد الذين ارتكبوا زلات غير شائنة أو أخطاء تحت ظروف ضاغطة فرصة لإعادة إدماجهم في المجتمع وتصحيح مسارهم. إن مجتمعاً لا يمنح أبناءه فرصة للغفران والتوبة هو مجتمع يكرس الجريمة ويغلق أبواب الإصلاح، وهو مبدأ معمول به في كثير من دول العالم.
الحقوق الشخصية محفوظة
إن من أهم الشائعات التي جرى ترويجها لتأليب الشارع هي أن العفو يضيع حقوق الضحايا. إن قانون العفو واضح وصريح لا لبس فيه: “الحقوق الشخصية والمدنية محفوظة تماماً”. إسقاط الحق العام أو العقوبة الجزائية لا يلغي بأي حال من الأحوال المساس بحق المتضرر في المطالبة بالتعويض المالي والمدني أمام المحاكم المختصة، وبالتالي فإن العفو لم يمس بأموال أو حقوق الضحايا الخاصة.
التحريض من بوابة “أموال المودعين”
حاولت حملات التضليل الربط التعسفي والتحريضي بين العفو العام وبين أزمة “أموال المودعين” في البنوك اللبنانية، عبر الإيحاء بأن القانون سيُهرّب الفاسدين وناهبي المال العام. إن هذا الربط هو محاولة مفضوحة لاستغلال وجع الناس المالي؛ فالقانون استثنى الجرائم المالية الكبرى والاعتداء المباشر على أموال المودعين والمال العام، ولم يُقر لحماية من تسببوا بالأزمة الاقتصادية اللبنانية.
التشديد على المستفيدين بعقوبات مغلظة عند التكرار وإلغاء المفاعيل
إن قانون العفو ليس شيكاً على بياض يُعطى للسجين المستفيد؛ بل قام المشرعون بوضع شرطٍ جزائي صارم؛ إذ ينص القانون على العفو المشروط. وفي حال عودة المستفيد إلى ارتكاب أي جرم جديد مدى الحياة، يُلغى العفو عنه فوراً ويُعاد لتنفيذ عقوبته القديمة كاملة مضافاً إليها العقوبة المغلظة للجرم الجديد، ما يشكل رادعاً زجرياً يمنع استغلال حسن نية التشريع.
فتح المجال أمام إصلاحات قضائية
إن تكدس عشرات الآلاف من الملفات أمام القضاء المحلي المترهل أدّى إلى شلل كبير في منظومة العدالة وتأخير في المحاكمات لسنوات. ويتيح العفو العام تنقية السجلات وتخفيف العبء الضخم عن كاهل القضاة، مما يفتح المجال واسعاً لإجراء إصلاحات قضائية هيكلية تسارع في البت بالملفات وتصحيح مسار العمل القضائي.
فتح المجال أمام إصلاح المؤسسات العقابية
تعاني السجون اللبنانية (وفي مقدمتها سجن رومية) من اكتظاظ كارثي يتجاوز 300% من طاقتها الاستيعابية، فقد تحولت من مؤسسات للتأهيل إلى بؤر للبؤس البشري. يمنح هذا القانون المؤسسات العقابية “متنفساً” ضرورياً لإعادة تنظيم السجون وتحسين الظروف الإنسانية والصحية للنزلاء، وتطبيق المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
رأب الصدوع المجتمعية و تعزيز السلم الأهلي
في بلد مثل لبنان، يمثل العفو العام أداة ناعمة لإنهاء حالة الاحتقان الشعبي والمناطقي؛ فتصحيح مسار العدالة التي عانت من التدخلات السياسية في حقبة النظام السوري السابق، وإغلاق القضايا العالقة والتوقف عن ملاحقة الآلاف بمذكرات توقيف قديمة يعيد الطمأنينة إلى أقاليم ومناطق عانت من التهميش والأزمات الأمنية المتعاقبة، ويعيد الثقة بالدولة عند شرائح واسعة من اللبنانيين، مما يصب في خدمة السلم الأهلي والتضامن المجتمعي، وهو ما يحتاجه لبنان لبناء مستقبله ومستقبل أجياله.
قانون العفو ضرورة وليس ترفاً تشريعياً
بعد كل هذه التراكمات، وأمام هذا الواقع الميداني والإنساني القاسي داخل السجون وفي المحاكم، وبعد كل ما جرى من متغيرات هائلة في المنطقة والإقليم، يتضح أن قانون العفو لم يكن خياراً ترفياً أو صفقة سياسية كما يتم تصويره، بل هو ضرورة ملحة وواقعية لا مفر منها لمعالجة خلل تراكمَ على مدار عقود، وحان الوقت لتصحيحه من خلال اتخاذ خطوات شجاعة.
ختاماً.. إن العفو العام في جوهره ليس ضعفاً للدولة ولا تسامحاً مع الجريمة، بل هو لحظة شجاعة تشريعية للمراجعة والإنصاف. إن الخوف من العفو هو خوف مصنوع بدافع الاستثمار في الأزمات؛ أما الحقيقة فهي أن هذا القانون ينقذ القضاء والمؤسسات العقابية، ويمنح المجتمع فرصة للتعافي وبدء صفحة جديدة قوامها العدالة والإصلاح.