
الليرة اللبنانية والدولار الأميركي
منذ بدء انهيار الليرة اللبنانية، برز الحديث عن مجلس النقد الذي نادى به الكثير من الخبراء كحل، وهو سلطة نقدية ينشئها البنك المركزي للحفاظ على سعر الصرف الثابت للعملة الأجنبية. ويهدف إلى إدارة سعر صرف عملته الخاصة.
ويسمح إنشاء مجلس النقد بإعادة بناء الثقة بالليرة اللبنانية عبر آلية واضحة تقوم على تغطية كامل الكمية المتداولة من العملة الوطنية باحتياطي من الدولار بنسبة 100%، كما يثبت هذا النظام سعر الصرف بشكل دائم، بحيث يتمكن أي حامل لليرة من استبدالها بالدولار عند الحاجة، ما يعزز المصداقية ويشجع على التعامل بالعملة الوطنية من جديد، كما يضمن هذا الإطار الشفاف أن الليرة المتداولة بين أيدي الناس محمية بالكامل، ويمنع أي انخفاض مفاجئ في قيمتها مستقبلاً.
اليوم يبدو أن هناك تطوراً على صعيد السلطة في هذا الخصوص، سيما لجهة مصرف لبنان الذي رعى ندوة بهذا الخصوص، حضرها الحاكم ونوابه.
في السياق، رأى الخبير الاقتصادي الدكتور باتريك مارديني، في حديث لصوت بيروت أنترناشونال، أن هذه الندوة على قدر كبير من الأهمية لأنها عقدت برعاية مصرف لبنان، وبحضور حاكم المصرف ونوابه. وهذا يدل على أن مصرف لبنان يُدرس الفكرة على الأقل في حدها الأدنى، إن لم يكن أكثر من ذلك، كما استقطبت الندوة فعاليات القطاع المصرفي والاقتصادي في لبنان؛ حيث حضر ممثلون عن القطاع المصرفي الذين سيكونون في مقدمة المتأثرين في حال تطبيق مجلس النقد، مما يجعلهم معنيين بشكل مباشر. وقد تميز الحضور بكثافته على مدى ثلاث ندوات متتالية، مما يؤكد أن الأمر لا يقتصر على مجرد ندوة عابرة، بل يعكس انخراطًا في مسار محدد.
كما تحدث عن القيمة العلمية والرفيعة للمحاضرين المشاركين. فمن بينهم جاك دي لاروزيير، الحاكم السابق للمصرف المركزي الفرنسي والمدير العام السابق لصندوق النقد الدولي، وجون غرينوود، مؤسس مجلس النقد في هونغ كونغ والعضو فيه منذ أربعين عامًا، إضافة إلى ستيف هانكي، الذي أسس مجالس نقد في إستونيا وبلغاريا والبوسنة والعديد من دول العالم، لافتاً أن هؤلاء نخبة من الخبراء والعارفين بمجلس النقد على مستوى المحاضرين.
كما تحدث عن “المبادرة الوطنية للاستقرار النقدي” التي تستطيع التواصل مع الفاعلين في كافة القطاعات، سواء المحلية منها أم الخارجية؛ إذ يمكنها التواصل مع صندوق النقد الدولي، والحكومة، ورئاسة الجمهورية، ومجلس النواب، وجميع القوى الفاعلة، وذلك لإفهامهم وإيصال رؤيتها حول أهمية إنشاء مجلس نقد في لبنان، معتبراً أن هذه الخطوة من حيث الشكل تعكس حركة جارية في لبنان عبر إطلاق مبادرة هامة.
أما من حيث المضمون، فرأى مارديني أن لبنان يخوض اليوم مجموعة من الإصلاحات المالية والنقدية بهدف الخروج من أزمته، وتفادي تكرارها في المستقبل، وإعادة إنعاش الحركة الاقتصادية والنشاط المصرفي، بحيث تتمكن المصارف مجدداً من إعطاء القروض للناس، ليتمكنوا من شراء البيوت والسيارات، وتأسيس الأعمال التجارية وإحيائها، وهو أمر ضروري للغاية لتنشيط الاقتصاد.
وفي هذا الإطار، أشار مارديني إلى القوانين الثلاثة الأساسية المطروحة اليوم وهي:
قانون السرية المصرفية: الذي تم إقراره.
قانون إعادة هيكلة المصارف: الذي أُقرّ منذ أيام.
قانون الفجوة المالية (الانتظام المالي): الذي لا يزال محل خلاف.
ورأى أنه يجب إضافة قانون رابع إلى هذه القوانين الثلاثة، وهو قانون مجلس النقد (Currency Board)، إذ إنه يتكامل بشكل سلس ويمنح زخماً أكبر للقوانين الإصلاحية الثلاثة الأخرى المذكورة، سيما وأن جميعها قوانين تحاول معالجة الخسائر الموجودة اليوم في لبنان أو ما يُعرف بالفجوة المالية. وهي تحاول قدر الإمكان استعادة أموال المودعين، وتحديد المسؤوليات، وتحديد من يتحمل هذه الخسائر، وما إلى ذلك، وبالتالي، فإن هذه القوانين الثلاثة مجتمعة تحاول معالجة المشكلة الماضية التي وقعنا فيها عام 2019، ألا وهي مشكلة الودائع. ولكن، لا يوجد أي قانون من هذه القوانين يتفادى تكرار هذه المشاكل في المستقبل. فنحن قد وقعنا في الأزمة ونحاول حلها، وهذه القوانين الثلاثة قد تحلها في حال إقرارها، لكن لا يوجد بينها ما يضع ضوابط تمنع تكرار الأزمة في المستقبل، أو تمنع حدوث فجوة جديدة بعد عشر سنوات مثلاً، والعودة إلى ضياع الأموال من جديد، وانهيار الليرة مجدداً، وخسارة الناس لجنى عمرهم وللقوة الشرائية لمداخيلهم.
ووفقاً لمارديني، لأن أحداً من هذه القوانين لا يضمن عدم تكرار الأزمة في المستقبل، فهي لا تمنح الناس الطمأنينة الكافية للعودة للعمل والاستثمار في لبنان بشكل عام، ولذلك، وبالإضافة إلى القوانين الثلاثة، نحن بحاجة إلى قانون رابع يضع ضوابط صارمة تمنع استخدام الأموال في مجالات أخرى، وتمنع هدرها يميناً وشمالاً، وتتدارك تكرار الأزمة أو الفجوة التي حدثت.
وأكد أن هذا القانون هو ‘مجلس النقد’ (Currency Board)، وهو الذي يكمل القوانين الثلاثة؛ بحيث تعالج القوانين الثلاثة خسائر الماضي، بينما يتطلع هذا القانون إلى المستقبل. فمجلس النقد لا يعالج مشكلة الودائع التي خسرناها في القطاع المصرفي (أي الفجوة المالية)، إنما يتطلع هذا القانون إلى المستقبل؛ ليضمن عدم تكرار هذه الفجوة مرة أخرى.