
عناصر من حزب الله
اتسع في الأيام الأخيرة الحديث عن احتمال حصول حوار بين الولايات المتحدة و«حزب الله»، بالتزامن مع صدور مواقف ترصد الاتجاهات الفعلية لهذا المسار واحتمالات تطوره في المرحلة الراهنة.
ويرى البعض أن عملية الرصد بدأت مع التصريحات التي أدلى بها السفير الأميركي في تركيا والموفد إلى سوريا توم برّاك، والتي أثارت موجة واسعة من الردود، ولا سيما ما قاله عن صعوبة، أو حتى استحالة، التوصل إلى حل للحرب في لبنان من دون وجود إيران و«حزب الله» على طاولة المفاوضات. وقد قوبل هذا الموقف بتصريح للمسؤول في «حزب الله» محمود قماطي، أشار فيه إلى أن الحزب لا يغلق الباب أمام احتمال التواصل مع الولايات المتحدة.
في المقابل، يرى البعض أن هذا الاحتمال اكتسب قدراً أكبر من الجدية عندما أثاره الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال استقباله رئيس الجمهورية جوزاف عون في البيت الأبيض في 21 تموز الماضي، وقبل ذلك أيضاً، عندما تحدث في مطلع حزيران عن تواصل مع «حزب الله»، قائلاً: «أجريت اتصالاً جيداً مع حزب الله عبر ممثلين رفيعي المستوى، وتم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الأخير وإسرائيل».
وأثار هذا الكلام التباساً لم تنجح التوضيحات اللاحقة في تبديده بالكامل، ومنها ما قيل عن أن التواصل جرى عبر السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى معوض. علماً أن ترامب عاد لاحقاً وأبدى استعداده للتحدث مع «حزب الله»، رابطاً ذلك بوجود رغبة لدى رئيس الجمهورية جوزاف عون، إذ قال: «إذا طلب مني الرئيس عون التحدث إلى الحزب فسأفعل».
أما تصريحات توم برّاك، فأثارت استياءً، رغم توضيحاته اللاحقة، باعتبار أن ما أدلى به يتجاوز صلاحياته، وفق هذا الرأي، كما يتجاوز الجهود التي يبذلها السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى لتوضيح موقف بلاده من الانفتاح على الحزب وما يعنيه عملياً.
ويأتي ذلك في ظل جهود عيسى لتمكين الدولة اللبنانية وحصر قنوات التواصل بين بلاده والجانب اللبناني، ولا سيما مع رئيس الجمهورية، الذي يخوض هذا التحدي على المستوى الشخصي.
ويُضاف إلى ذلك أن كلام برّاك، كما كلام ترامب سابقاً، قد يصب في مصلحة «حزب الله» ويعزز أوراقه في مواجهة الدولة اللبنانية، من زاوية الإيحاء بأنه لا يزال الطرف الأساسي الذي يصعب إيجاد حل من دونه، رغم المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل.
بل إن هذا الطرح، بحسب هذا الرأي، لا يعزز موقع الحزب في مواجهة الدولة اللبنانية فحسب، وإنما يقوي أوراقه وموقعه أيضاً في مواجهة إسرائيل، باعتباره طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي تسوية محتملة.
علما ان ذلك يسحب ورقة مهمة من يد رئيس مجلس النواب نبيه بري باعتبار أنّه كان دوماً المحاور الرسمي المعتمد باسم الحزب وبالنيابة عنه في مرحلة عدم التحاور المباشر من الجانب الأميركي مع الحزب، علماً أنّ هذه النقطة تفيد بأنّ الحوار المحتمل ليس جديداً كليّاً وأنّ كان يحصل عبر الوسيط الذي يشكله يري في ظل تساؤلات كبيرة اذا كانت قناة بري فعالة وممكنة في هذا الاطار وما اذا كان الحوار مع قيادة الحزب حاليّاً، في حال حصوله، تعني التحاور مع الحرس الثوري مباشرة في لبنان ولو بواجهة لبنانية نتيجة اعتبارات بان قيادة الحزب الحالية ليست هي من تقرر وتحسم على رغم التقريظ الايراني بها.
محاولة رصد احتمال حوار مباشر مع الحزب انتهت في الايام الاخيرة الى تصويب حاسم من السفير ميشال عيسى ومن عين التينة بالذات على إثر زيارة قام بها لبري وتم دعمه بموقف داعم له من الخارجية الاميركية استنادا الى كلام عيسى في هذا الاطار حول نقطتين: “كما قال السفير عيسى، لا نريد شيئًا أكثر من أن يُسلّم حزب الله أسلحته. وعندما يقرر حزب الله أنه مستعد للقيام بذلك، يمكنه التحدث مع الدولة اللبنانية، التي نجري معها حوارًا بالفعل، وإبلاغها بأنه مستعد لتسليم أسلحته. عندها يمكننا محاولة تقريب وجهات النظر من بعضها البعض”.
وأضاف المتحدث باسم الخارجية مكررا ما قاله عيسى ما يساهم في اعطاء كلام الأخير وزناً حاسماً في مقابل كلام توم براك وعلى نقيضه “لكن في الوضع الراهن، لا يريد حزب الله حتى الآن التحدث مع الدولة اللبنانية، ولا التحدث معنا، ولا التحدث مع إسرائيل، لأنه ببساطة يتلقى أوامره من إيران”.
وهذا يفضي الى خلاصة مفادها وفقاً لمراقبين ديبلوماسيين أنّ ثمة قيوداً وشروطاً على حوار مفترض تحت سقف تقوية الدولة اللبنانية وعدم إضعافها، ولو أنّ البعض يعتمد على البراغماتية الاميركية التي فتحت حوارات سابقاً مع طالبان في أفغانستان ومع حركة “حماس” في غزة أخيراً وراهناً، والامور ليست اسود على ابيض بل تظللها في واقع الامور رصد محاولات من الحزب او إيران الى فتح ثغرة انطلاقا من لبنان الذي يظل ساحة لتبادل الرسائل الاميركية الايرانية على رغم الضغوط القصوى من الولايات المتحدة على ايران اقتصاديّاً كما رصد نتيجة مساعي إقليمية على خلفية أنّ الأمور لا يمكن ان تبقى اسيرة الستاتيكو الراهن في لبنان وجنوبه في شكل خاص على خلفية ان ما قبل حسم موضوع تلة علي الطاهر غير ما بعدها وما قبل الانتخابات الاسرائيلية غير ما بعدها أيضاً.
فالحزب في مأزق عدم القدرة لا على إعلان النصر ولا إعلان الهزيمة ولو ان مؤشرات هذه الأخيرة الاكثر ترجيحاً ولبنان الدولة في مأزق ايضا في عدم القدرة على التقدم في ظل تشدّد إيران بالامساك بورقة الحزب والتفاوض على لبنان ونفوذها فيه عبره. وفيما أنّ التحديات اقل بالنسبة الى الولايات المتحدة وحتى لاسرائيل في هذا الاطار، ولكن يسود اعتقاد بوجوب تحريك الامور وعدم ابقائها جامدة حتى عبر قنوات خلفية كلبنان مثلاً من أجل ايجاد ثغر يمكن النفاذ عبرها من دون ان يعني ذلك حلولاً حاسمة وفق ما يتصوّر أو يرغب البعض الذي يعتقد ان مجرد الكلام على حوار او محاولة تواصل بين الولايات المتحدة والحزب يحمل ترضية معنوية كبيرة لهذا الأخير او يشكل اغراء له حتى لو ان الامر لا يترجم عملانيا بالمعنى الحرفي للكلمة.