
توقيع اتفاق إطار بين إسرائيل ولبنان
يُشكّل اتفاق الإطار اللبناني ـ الإسرائيلي، برعاية أميركية، محطة دقيقة في مسار الصراع الطويل بين البلدين. غير أن قراءة متأنية في مضمونه لا تسمح بالتعامل معه بوصفه إنجازًا مكتملًا أو هزيمة صريحة، بل تكشف أنه وثيقة انتقالية مشروطة، تُدير التوتر أكثر مما تحسمه، وتفتح باب التأويل السياسي والأمني أكثر مما تؤسس لتسوية نهائية واضحة.
فالاتفاق، في جوهره، لا يقدّم حلًا مباشرًا للصراع، بل يرسم مسارًا متدرجًا يقوم على تبادل الالتزامات، وربط الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من الأراضي اللبنانية بقدرة الدولة اللبنانية على بسط سيادتها الفعلية، وحصر السلاح بيدها، ونزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية، وفي مقدمتها حزب الله. وهنا تبدأ الإشكالية الأساسية: هل نحن أمام اتفاق يُعيد للبنان سيادته، أم أمام إطار يحمّله عبء الإثبات قبل أن يحصل على الانسحاب؟
أولًا: بنية الاتفاق — انسحاب مشروط لا انسحاب فوري
لا يمكن فهم الاتفاق بمعزل عن منطقه الداخلي القائم على التدرج والشرطية. فالبنود المتداولة لا تمنح لبنان انسحابًا إسرائيليًا فوريًا وواضحًا، بل تربط هذا الانسحاب بسلسلة من الخطوات التي يفترض أن تقوم بها الدولة اللبنانية، وعلى رأسها بسط سلطة الجيش اللبناني في مناطق محددة، ونزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية، وتفكيك بنيتها العسكرية والأمنية.
بهذا المعنى، يصبح لبنان مطالبًا أولًا بإثبات قدرته على السيطرة، بينما تحتفظ إسرائيل بهامش واسع في تقييم ما إذا كانت هذه السيطرة قد تحققت فعلًا أم لا. وهذا يخلق اختلالًا واضحًا في ميزان التنفيذ؛ إذ لا تكون المشكلة فقط في الشروط المفروضة، بل في الجهة التي تملك حق تفسير تحقق هذه الشروط.
فالأسئلة الجوهرية تبقى مفتوحة: من يقرر أن الجيش اللبناني نجح في بسط سيطرته؟ ومن يحدد أن نزع السلاح تحقق بصورة كافية؟ وهل تكون آلية التحقق لبنانية، أميركية، إسرائيلية، أم مشتركة؟ إن غياب إجابات دقيقة عن هذه الأسئلة يجعل الاتفاق قابلًا للتعطيل عند كل مرحلة، ويفتح الباب أمام استخدام النص كأداة ضغط سياسي وأمني.
ثانيًا: حق الدفاع عن النفس — بند مرن يحمل قابلية واسعة للتأويل
يزيد بند حق الدفاع عن النفس من هشاشة الاتفاق. فالتأكيد على حق لبنان وإسرائيل في الدفاع عن النفس وفق ميثاق الأمم المتحدة يبدو، من حيث الشكل، مبدأً قانونيًا طبيعيًا. لكنه، من حيث التطبيق، قد يتحول إلى مساحة رمادية تسمح بتفسيرات متباينة.
فإسرائيل تستطيع أن توسّع مفهوم “التهديد” ليشمل تحركات أو مؤشرات أمنية تراها خطرًا مباشرًا، حتى لو اعتبرها لبنان خاضعة للمعالجة الداخلية أو للآليات المشتركة. وهنا تكمن الخطورة: الاتفاق لا يمنع التصعيد بالضرورة، بل قد يعيد تعريفه ضمن لغة قانونية أكثر مرونة.
وعليه، فإن نجاح الاتفاق لا يتوقف فقط على الالتزام ببنوده، بل على تفسير هذه البنود. فإذا جرى تفسير حق الدفاع عن النفس تفسيرًا واسعًا، فقد يتحول الاتفاق من أداة تهدئة إلى غطاء قانوني لاستمرار العمليات المحدودة أو الضربات الوقائية.
ثالثًا: الغائب الأكبر — اتفاقية الهدنة ومعنى تغييبها
من أبرز ما يستوقف في الاتفاق ليس فقط ما ورد فيه، بل ما غاب عنه. فغياب الإشارة الصريحة إلى اتفاقية الهدنة القائمة بين لبنان وإسرائيل لا يبدو تفصيلًا تقنيًا، بل يمكن قراءته كخيار سياسي مقصود.
فالاستناد إلى اتفاقية الهدنة كان سيمنح لبنان أرضية قانونية دولية أكثر رسوخًا، ويسمح له بالاحتكام إلى مرجعية واضحة في مواجهة أي انتهاك أو توغل أو خرق للسيادة. أما غيابها، فيجعل الاتفاق الجديد مرجعية قائمة بذاتها، محكومة بالتفسير السياسي وبالدور الأميركي في إدارة التنفيذ.
وتزداد حساسية هذه النقطة عند قراءة البند المتعلق بوقف الأعمال العدائية أو السلبية في المحافل السياسية والقانونية الدولية. فهذا البند قد يُفسَّر، من قبل بعض المنتقدين، على أنه تقييد لقدرة لبنان على اللجوء إلى المسارات القانونية الدولية ضد إسرائيل، أو على الأقل فتح باب لتأويل أي تحرك قانوني لبناني بوصفه عملًا عدائيًا أو سلبيًا.
هنا لا يكون الخطر في النص وحده، بل في استخدامه لاحقًا. فإذا جرى التعامل مع المطالبة بالمحاسبة القانونية على أنها خرق لروح الاتفاق، فإن لبنان يكون قد خسر إحدى أدوات الضغط الدولية مقابل وعود انسحاب مشروطة، وغير مضمونة زمنيًا بصورة حاسمة.
رابعًا: حزب الله — خارج النص وداخله في الوقت نفسه
يشكّل موقع حزب الله إحدى أعقد نقاط الاتفاق. فالحزب ليس طرفًا رسميًا في الوثيقة، لكنه حاضر في مضمونها بقوة. فالحديث عن نزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية، وتفكيك بنيتها التحتية، ومنعها من امتلاك دور عسكري أو أمني، يستهدف عمليًا واقعًا عسكريًا وسياسيًا يرتبط أساسًا بحزب الله.
المفارقة هنا أن الاتفاق يبنى على قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ بند شديد الحساسية، من دون أن يوضح كيف ستتعامل الدولة مع الطرف الأكثر تأثيرًا في هذه المعادلة. فحزب الله يعلن التزامه بوقف إطلاق النار، لكنه في الوقت نفسه يوثق الانتهاكات الإسرائيلية ويحتفظ بخطاب سياسي وعقائدي مختلف عن منطق التسوية.
هذا السلوك يمكن قراءته بوصفه تموضعًا مزدوجًا: التزام عملي بالتهدئة من جهة، واحتفاظ سياسي بسردية المقاومة والرد المؤجل من جهة أخرى. وبذلك لا يكون الحزب خارج الاتفاق تمامًا، ولا داخله رسميًا، بل يتحول إلى عامل حاسم في نجاحه أو فشله.
وتزداد المسألة تعقيدًا عند ربط موقف الحزب بالمسار الإيراني ـ الأميركي. فإذا كان قرار التهدئة مرتبطًا بتفاهمات أوسع بين طهران وواشنطن، فإن لبنان يصبح متأثرًا بمسار تفاوضي لا يملك التحكم به بالكامل. وهذا يعني أن مصير الاتفاق لا يتحدد فقط في بيروت أو تل أبيب، بل أيضًا في حسابات إقليمية أوسع.
خامسًا: الداخل اللبناني — اتفاق يختبر الدولة والمجتمع معًا
لا يقتصر أثر الاتفاق على الحدود الجنوبية أو العلاقة مع إسرائيل، بل يمتد إلى الداخل اللبناني نفسه. فالاتفاق يضع الدولة أمام اختبار شديد الحساسية: هل تستطيع فرض سيادتها من دون تفجير التوازنات الداخلية؟ وهل يمكن تنفيذ بند حصر السلاح بيد الدولة من دون فتح مواجهة سياسية أو أمنية داخلية؟
ردود الفعل اللبنانية المتباينة تكشف أن الاتفاق لا يُقرأ بوصفه وثيقة أمنية فقط، بل بوصفه تحولًا في ميزان القوة الداخلي. فهناك من يراه فرصة لاستعادة الدولة، وهناك من يراه مدخلًا للضغط على مكوّن لبناني أساسي، وهناك من يخشى أن يتحول إلى شرارة انقسام داخلي جديد.
ومن هنا يمكن فهم التحذيرات من الفتنة والانزلاق إلى الشارع. فالاتفاق الذي يُفترض أن يخفف التوتر مع إسرائيل قد ينتج، إذا أسيء التعامل معه، توترًا داخليًا لبنانيًا لا يقل خطورة. وهذا يعني أن نجاحه لا يحتاج فقط إلى ضمانات خارجية، بل إلى إدارة داخلية دقيقة تمنع تحويله إلى مادة صدام سياسي أو مذهبي أو أمني.
سادسًا: الدور الأميركي — ضمانة أم إدارة للضغط؟
يحضر الدور الأميركي في الاتفاق بوصفه الراعي والوسيط والضامن المفترض. لكن هذا الدور لا يخلو من إشكاليات. فالولايات المتحدة لا تبدو مجرد وسيط محايد، بل طرفًا مؤثرًا في صياغة الترتيبات الأمنية، وآليات التحقق، وربط المساعدات للبنان بمدى تقدمه في تنفيذ الالتزامات المطلوبة.
وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يوفر الدور الأميركي ضمانة للبنان، أم يتحول إلى آلية ضغط عليه؟ فإذا ارتبط الدعم العسكري والاقتصادي وإعادة الإعمار بإثبات نتائج أمنية محددة، فإن لبنان قد يجد نفسه أمام معادلة صعبة: تنفيذ شروط داخلية حساسة مقابل الحصول على الدعم الخارجي والانسحاب الإسرائيلي التدريجي.
بهذا المعنى، لا يعمل الاتفاق فقط على تنظيم العلاقة اللبنانية ـ الإسرائيلية، بل يعيد أيضًا رسم علاقة الدولة اللبنانية بالمجتمع الدولي، خصوصًا فيما يتعلق بالمساعدات والرقابة والشرطية السياسية والأمنية.
اتفاق يؤجل الحسم ولا يصنع السلام بعد
في المحصلة، يصعب وصف اتفاق الإطار بأنه انتصار لبناني كامل، كما يصعب اعتباره تنازلًا نهائيًا بالمعنى المطلق. هو أقرب إلى وثيقة انتقالية مشروطة، تُعيد ترتيب ميزان الضغط بين الأطراف، وتؤجل الحسم بدل أن تنهيه.
فلبنان، بموجب هذا الاتفاق، لا يحصل على انسحاب مجاني أو فوري، بل يدخل في مسار إثبات طويل: عليه أن يبرهن قدرته على بسط السيادة، وحصر السلاح، وضبط الحدود، ومنع أي جهة غير حكومية من امتلاك قرار الحرب والسلم. وفي المقابل، تحتفظ إسرائيل بحق التأويل الأمني، وتبقى الولايات المتحدة في موقع إدارة التحقق والضغط والوساطة.
أما حزب الله، فيبقى العامل الأكثر حساسية: ليس طرفًا رسميًا في الاتفاق، لكنه جوهر الاختبار العملي له. فإذا استمر في التهدئة، قد يمنح الاتفاق فرصة للتنفيذ التدريجي. أما إذا تبدلت الحسابات الإقليمية، فقد يتحول توثيق الانتهاكات إلى مقدمة سياسية لتبرير تصعيد جديد.
لذلك، فإن قيمة الاتفاق لن تُقاس بما يعلنه على الورق، بل بمن يملك حق تفسيره على الأرض. فإذا نجحت الدولة اللبنانية في إدارة الداخل، وضبط السلاح، وحماية حقها القانوني، وفرض سيادتها من دون انفجار داخلي، فقد يتحول الاتفاق إلى بداية مسار جديد. أما إذا بقي التنفيذ مرهونًا بالتأويل الإسرائيلي، والضغط الأميركي، والحسابات الإيرانية، فإن الاتفاق قد لا يكون سوى هدنة سياسية مؤجلة، تنتظر أول أزمة كبرى حتى تنكشف هشاشتها.