
تشييع الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله (رويترز)
مع حلول السابع والعشرين من أيلول، تقف المنطقة أمام محطة مفصلية غيرت مجرى الصراع الإقليمي وتوازنات القوى في لبنان؛ إذ تمر اليوم الذكرى الثانية لاغتيال الأمين العام السابق لـ«حزب الله» حسن نصرالله، في غارة جوية غير مسبوقة استهدفت المقر القيادي المترسخ تحت الأرض في الضاحية الجنوبية لبيروت. عمليةٌ لم تكن مجرد ضربة عسكرية عابرة، بل شكلت الزلزال الأكبر في تاريخ الحرب بين إسرائيل والحزب، واضعةً حداً لعقود من المعادلة الردعية، ومسلطةً الضوء على عمق الاختراق الاستخباري والهيكلي الذي طال هرمية القرار داخل الحزب.
تستند تفاصيل العملية إلى حصيلة ما نشرته وسائل الإعلام والدوائر الأمنية الإسرائيلية؛ حيث كشفت صحيفة «إسرائيل هيوم» أن الموافقة المبدئية على التخلص من نصرالله اتُّخذت قبل أيام من التنفيذ، بانتظار تأكيد استخباري حاسم يثبت وجوده داخل المنشأة المحصنة تحت الأرض. ولضمان عنصر المفاجأة وإبعاد الشبهات، اعتمدت القيادة الإسرائيلية مناورة استراتيجية؛ إذ جرى التخطيط لسفر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى نيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة كغطاء إيهامي يوحي بأن إسرائيل لن تذهب إلى تصعيد عالي المستوى في غياب رئيس حكومتها.
وفي السياق ذاته، أفادت التقارير نقلاً عن «نيويورك تايمز» بأن أجهزة الرصد الإسرائيلية كانت على علم مسبق بوجود مقر قيادي سري محفور أسفل مبانٍ سكنية مكتظة في قلب الضاحية. وحال ورود برقية استخبارية في الوقت الحقيقي تؤكد عقد اجتماع قيادي برئاسة نصرالله داخل المقر، صدرت الأوامر العسكرية الفورية بالتحرك.
على الصعيد الميداني، كشفت تفاصيل نقلتها «يديعوت أحرونوت» و«تايمز أوف إسرائيل» أن المقاتلات الإسرائيلية كانت في حالة استنفار ودوران جوي دائم فوق لبنان لتقتنص فرصة الهدف. ورغم أن موقع المخبأ كان مرصوداً منذ أشهر، إلا أن شفرة التنفيذ قُرئت بدقة في أيلول 2025، عندما أزاحت شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان) الستار عن اسم العملية الرقمي: «النظام الجديد».
وفي تمام الساعة 18:21 من غروب يوم 27 أيلول 2024، أفرغت تشكيلات من طائرات F-15I حلمولتها المكونة من أكثر من 80 قنبلة ثقيلة ومخترقة للملاجئ بصورة متزامنة وخاطفة استغرقت ثواني معدودة. أدت الصدمة التدميرية إلى تسوية ستة أبنية سكنية بالأرض ومصرع نصرالله فوراً، إلى جانب قائد جبهة الجنوب علي كركي ونخبة من القيادات الأمنية والعسكرية المتواجدة بالمقر.
أما على الممر السياسي، فتقاطعت المعلومات حول أن القرار النهائي حُسم داخل أروقة نيويورك. وأوضحت «تايمز أوف إسرائيل» أن نتنياهو أعطى الإذن المباشر بالضربة عقب مشاورات أمنية مع وزير الدفاع آنذاك يوآف غالانت ورئيس الأركان هرتسي هليفي، اللذين أكدا اكتمال المعطيات الاستخبارية ونضوج الهدف، وذلك قبل دقائق قليلة من اعتلاء نتنياهو منبر الجمعية العامة، رغم تحفظات بعض الوزراء خوفاً من تشتيت الجهد العسكري في غزة.
وعلى خط العلاقات مع البيت الأبيض، تشير التسريبات الإسرائيلية إلى أن واشنطن لم تُحاط علماً بالعملية مسبقاً، بل جرى إشعارها فقط لحظة دخول الطائرات الأجواء اللبنانية وبدء المغار، على الرغم من أن الجانبين كانا يخوضان في تلك الأثناء مفاوضات حول مقترح لوقف مؤقت للإطلاق النار.
اختراق شبكي: اختراق الموساد وطوق السرية الإيراني
لم تكن الضربة مجرد جهد جوي، بل نتاج عمل استخباري تراكمي المعالم. ففي سبتمبر 2025، كشف مسئول في جهاز «الموساد» لصحيفة «يديعوت أحرونوت» عن إدارة شبكة عملاء عملت داخل بيروت وفي أشد الظروف خطورة لتوفير تقاطعات ميدانية حاسمة، مشيراً إلى أن العملية كانت ثمرة شبكة معلوماتية جمعت بين الاستخبارات والجيش والأوساط الأكاديمية والصناعات العسكرية.
واللافت بحسب تسريبات موقع «واللا» أن نصرالله واصل تحركاته داخل المخبأ دون أن يدري أنه بات الهدف التالي، مغروراً بقدرة المخبأ المصمم بتقنيات هندسية إيرانية شديدة السرية، والذي كان يُعتقد أن موقعه مجهول حتى عن الدوائر القريبة جداً داخل الحزب. وجاءت هذه الضربات القاضية تتويجاً لمسار تصاعدي خاطف بدأ بضربات أجهزة الاتصال (البيجر) واغتيال القيادي إبراهيم عقيل، وصولاً إلى اجتثاث رأس الهرم القيادي.
اليوم، وبعد مرور عامين كاملين على غبار تلك الغارة، تنظر الأوساط العسكرية إلى عملية «النظام الجديد» باعتبارها نقطة التحول الكبرى التي قصمت ظهر المشروع الإقليمي للحزب وأنهت حقبة كاملة من النفوذ السلاحي في لبنان. ورغم استمرار الكشف عن تفاصيل الرواية الإسرائيلية وما تخللها من شبكات تجسس وتكتيكات إيهام، فإن الكثير من الشفرات المتعلقة بمصادر الاختراق الداخلي لا تزال طيّ الكتمان، تاركةً الشارع اللبناني والبيئة الشيعية أمام حقيقة ساطعة فرضها هذا التحول: سقوط أوهام الحماية الخارجية، والعودة الحتمية إلى مظلة الدولة والمؤسسات الوطنية الشرعية كخيار يتيم وأخير لأمان الجميع.