
محمد فحيلي
أكد النائب ابراهيم كنعان عدم التضحية بأموال المودعين من خلال ربط تنفيذ قانون إصلاح المصارف بإقرار قانون استرداد الودائع، وبعد إعلان إقرار قانون إصلاح المصارف وتأكيد استقلالية الهيئة المصرفية العليا، يقول كنعان الحكومة مطالبة بقانون الانتظام المالي أساساً لتحديد المسؤوليات ومعالجة الودائع والمحاسبة.
الباحث المقيم في كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال (OSB) في الجامعة الأميركية في بيروت (AUB) الدكتور محمد فحيلي يقدم قراءة حول أهمية إقرار هذا القانون وما مدى أهميته بالنسبة لحل أزمة المودعين وما هي الخطوة اللاحقة بعد إقرار قانون إصلاح المصارف، وهل إعادة أموال المودعين باتت قريبة مع العلم أن حاكم مصرف لبنان قال أن الأولوية لصغار المودعين وماذا عن كبار المودعين؟، متى وكيف سترد أموالهم؟.
ويقول فحيلي في حديث لـ”صوت بيروت أنترناشونال”: “القوانين وحدها لا يمكنها إصلاح ما أفسده الإنكار وقد كثفت القيادة السياسية في لبنان مؤخراً جهودها لتمرير قوانين الإصلاح المصرفي قد يبدو هذا وكأنه خطوة إلى الأمام، ولكن في نظام يعاني من الانحطاط المؤسسي وكسر الثقة العامة والحرمان المالي فإن إقرار القوانين لا يشبه تنفيذ الإصلاح”، ويرى فحيلي، أنه عندما يكون التشريع غامضاً أو غير مكتمل أو منفصل عن الواقع النقدي، فإنه يخاطر بأن يصبح مجرد وهم آخر.”أداء الإصلاح بدون مضمونه” معتبراً أن القطاع المصرفي في لبنان لا يعاني من خلل فني بل إنه في قبضة فشل عميق ومنهجي لا يمكن حله بتدابير تجميلية أو بيانات إعلامية متفائلة.
ويؤكد فحيلي، أن ما نحتاجه هو الوضوح والصدق والفهم الرصين لما يمكن فعله بالفعل وما لا يمكن القيام به، محدداً الحدود والإمكانيات الحقيقية المتاحة لأصحاب القرار في لبنان بالاعتماد على الوضع المالي الحالي للبلاد والالتزامات التنظيمية لاتفاقيات بازل والتحديات السياسية والمؤسسية التي تواجه التنفيذ، وإذ يطرح فحيلي سؤالا أساسيا: “هل يمكن الوثوق بالنظام الذي أنتج هذه الأزمة لحلها دون تغيير جذري في طريقة عمله؟”، يقول : الإجابة هي ب “نعم”، ولكن فقط إذا كان الإصلاح قائماً على الحقيقة مسترشدا بالرقابة المستقلة وتنفذه قيادة مستعدة لمواجهة الخيارات الصعبة وليس تجنبها وعدد فحيلي الإجراءات المطلوبة وهي:
١- الإعتراف بحقيقة الأزمة إذ يمكن لأصحاب القرار ويجب عليهم أن يدركوا رسميا أن الانهيار المصرفي في لبنان لم يكن بسبب نقص رأس المال بل بسبب نقص السيولة، لافتاً أن المصارف جمعت الودائع بالعملة الصعبة ثم وضعتها في أصول طويلة الأجل وعالية المخاطر مثل سندات اليوروبوند السيادية وشهادات إيداع لدى مصرف لبنان، وعندما توقفت التدفقات اختفت الدولارات معتبراً أن التظاهر بخلاف ذلك يؤخر الحلول الحقيقية.
٢- إصدار قانون موثوق به لتسوية وضع المصارف ومن شأن قانون الحل السليم أن يسمح للدولة بتحديد المصارف التي يمكن إنقاذها والمصارف التي تحتاج إلى الاندماج والتي يجب إغلاقها ولكن لكي يكون هذا القانون فعالا يرى فحيلي أنه يجب عليه أيضا:
● حماية صغار المودعين بالكامل.
● تحديد من يمتص الخسائر (المساهمون، حاملي السندات كبار المودعين).
● أن تنفذها سلطة مستقلة معزولة عن التدخل السياسي وهذا أمر ممكن ولكن فقط إذا كان القانون واضحاً وتراقب تنفيذه جهات دولية محايدة مثل صندوق النقد الدولي أو الاتحاد الأوروبي.
•إنشاء صندوق استرداد الودائع (Deposit Recovert Fund – DRF) بحيث لا يمكن سداد المودعين الكبار بالكامل لكنهم يستحقون الإنصاف وطريقا للتعافي و وفقاً لفحيلي يمكن أن يقدم DRF تعويضاً بمرور الزمن باستخدام.
● الإيرادات المستقبلية من النفط والغاز (إذا تحققت).
● عائدات الخصخصة (إذا تجاوزت الإرادة السياسية).
● أرباح البنوك المعاد هيكلتها (إذا تم تنفيذها بموضوعية وشفافية) ويشدد فحيلي على ضرورة إدارة DRF بشكل مستقل لتجنب أن تصبح ضحية أخرى لسوء الاستخدام السياسي وتحدث فحيلي عن طلب المساعدة الدولية، ولكن بشروط مؤكداً أن لبنان لا يزال قادراً على الوصول إلى الدعم الفني والمساعدات المحتملة من مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، “لكن هذه تأتي مع شروط لا سيما فيما يتعلق بالحوكمة والشفافية وعمليات التدقيق الجنائية غيمكن للحكومة أن تفي بهذه الشروط إذا التزمت حقا بالمساءلة”.
ويقول فحيلي: لا يتم بناء الثقة من خلال إقرار القوانين أو عقد المؤتمرات الصحفية بل يتم الحصول عليها من خلال قول الحقيقة وتحمل المسؤولية والشفافية بشأن الأموال المفقودة وكيف سيتم استردادها ومن سيتحمل التكلفة، مؤكداً أن القوانين وحدها لن تعيد الثقة في القطاع المصرفي وإعادة الرسملة دون الاعتراف بالخسائر هي وهم خطير وقد تبدو الدعوات إلى “إعادة رسملة” المصارف اللبنانية حلا بناء لكنها لا معنى لها بل وأنها ضارة إذا لم نعترف أولا بالحجم الحقيقي للخسائر وطبيعتها، ولا يتوقع فحيلي أنه يمكن سداد كل وديعة بالكامل لأن النظام المصرفي اللبناني يواجه فجوة مالية تزيد عن 80 مليار دولار، ومع مثل هذه الخسائر الفادحة السداد الكامل لجميع الودائع وخاصة الكبيرة منها مستحيل (غالباً ما يوصى باتباع نهج متدرج: على سبيل المثال حماية ما يصل إلى 100 ألف دولار بالكامل وتطبيق شروط أكثر ليونة على الودائع بين 100 ألف دولار و 500 ألف دولار وشروط أكثر صرامة فوق 1 مليون دولار).
والوعد بخلاف ذلك ليس غير واقعي فقط. إنه أقرب إلى الخداع” ويشدد فحيلي على ضرورة معاملة جميع المودعين بإنصاف وفق الآتي:
١- يجب أن تتبع الخسائر تسلسلاً هرمياً قانونياً وأخلاقياً واضحاً يمتص المساهمون الخسائر أولاً يليهم حاملو السندات ثم كبار المودعين.
٢- حماية المودعين الصغار والمتوسطين بشكل كامل إذ يعتمد هؤلاء الأفراد على مدخراتهم لتلبية الاحتياجات الأساسية والتقاعد. حمايتهم ليست مجرد ضرورة اقتصادية، إنه واجب أخلاقي.
٣- تقديم أدوات استرداد حقيقية وليست رمزية لكبار المودعين فيستحق كبار المودعين أكثر من مجرد وعود غامضة أو ورق لا قيمة له.