
معبر العريضة الحدودي بين سوريا ولبنان، عكار - 10 ديسمبر/كانون الأول 2024
عاد ملف الضباط السوريين الذين فرّوا إلى لبنان عقب الإطاحة بنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد إلى الواجهة، بعد تسليم دمشق السلطات اللبنانية قائمة بأسمائهم، في وقت يشهد فيه لبنان هشاشة سياسية وغياب موقف سيادي واضح.
وبحسب ما أورده موقع ذا ميديا لاين الأميركي، يدور جدل متصاعد حول وجود مئات الضباط والعناصر العسكرية من نظام الأسد داخل الأراضي اللبنانية، وسط اتهامات لبيروت بتوفير ملاذ يتيح لهم الإفلات من الملاحقة القضائية.
وأوضح الموقع أن دمشق سلّمت لبنان قائمة تضم أسماء نحو 300 ضابط، مرفقة بمعلومات دقيقة عن أماكن وجودهم وتحركاتهم، في خطوة تعكس –وفق الموقع– متابعة استخباراتية سورية لصيقة، وتطرح تساؤلات حول استعداد الدولة للتعاون في ظل توازنات سياسية وأمنية معقدة.
ويرى محللون تحدثوا لـ”الجزيرة نت” أن الملف لا يمكن فصله عن مسارات الضغط والتفاوض السياسي، ولا عن واقع الانقسام الداخلي اللبناني وضعف قدرة الدولة على اتخاذ قرارات حاسمة في ملفات تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية والإقليمية.
توقيت سياسي وضغوط متبادلة
في قراءة للتوقيت، يعتبر الباحث الأمني عمار فرهود أن تحريك الملف يرتبط برغبة أطراف في إدخاله ضمن مسار تفاوضي واستخدامه كأداة ضغط، ولكن عبر القنوات الدبلوماسية لا الأمنية.
ويضيف للجزيرة نت أن الملف قابل للاستثمار السياسي داخليًا، سواء في سوريا أو لبنان، ما يفسر إعادة طرحه في هذا التوقيت.
ويؤكد فرهود أن الحديث عن وجود ضباط من النظام السابق في لبنان يحمل نسبة عالية من الصحة، مشيرًا إلى أن سقوط النظام قطع السبل أمام عدد كبير منهم، وكان لبنان أحد المسارات القليلة المتاحة.
كما يلفت إلى إشكالية الخلط بين الإقامة القانونية والإفلات من العدالة، معتبرًا أن معالجة الملف قد تمنح الحكومة السورية شرعية إضافية في سياق العدالة الانتقالية، في حين أن تجاهله قد يضعف صورتها داخليًا.
وعلى المستوى اللبناني، يصف فرهود المشهد بأنه أكثر تعقيدًا في ظل الانقسام الداخلي ووجود بعض هؤلاء الضباط في مناطق خاضعة لسيطرة حزب الله، الذي يرى –بحسبه– أن مصلحته تكمن في عدم حسم الملف خشية ما قد يكشفه من تعاون سابق.
مقاربة قانونية
من زاوية قانونية، يؤكد المحامي والمدير التنفيذي لـ”المؤسسة اللبنانية للديمقراطية وحقوق الإنسان” نبيل الحلبي في حديثه للجزيرة نت أن البعد السياسي لا يلغي الالتزامات القانونية والأخلاقية، مشددًا على أن لبنان مطالب بالتعاون في ملاحقة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة للقانون الجنائي الدولي.
ويشير الحلبي إلى أن عدم انضمام لبنان إلى اتفاقية روما لا يبرر الامتناع عن التعاون، موضحًا أن غياب اتفاقية ثنائية لا يفرض التزامًا مباشرًا بالتسليم، لكنه لا يمنع اتخاذ قرار بذلك عبر مجلس الوزراء بعد مطالعة من النائب العام التمييزي.
ويلفت إلى أن قرارات التسليم غالبًا ما تكون خاضعة للتوازنات السياسية، مستشهدًا بقضية جميل حسن، مدير المخابرات الجوية السابق، حيث لم تتعاون السلطات اللبنانية مع الإنتربول رغم إدراجه على لوائح المطلوبين دوليًا.
قيود الدولة
على المستوى الأمني والمؤسساتي، يرى الباحث في الشؤون العسكرية العميد منير شحادة أن المقاربات اللبنانية للملف منقسمة بين من يتعامل معه كخطوة أمنية تقنية، ومن يقرأ فيه رسالة سياسية تتجاوز الإطار الأمني.
ويوضح للجزيرة نت أن دمشق تسعى من خلال هذا التحرك إلى اختبار استعداد لبنان لإعادة تفعيل قنوات تواصل أمني حساسة، أو إعادة تثبيت حضور سياسي–أمني بصيغة مختلفة عن مرحلة ما قبل عام 2005.
ويؤكد أن هامش الدولة اللبنانية يبقى محدودًا بفعل الانقسامات الداخلية والضغوط الخارجية، ما يدفعها إلى سياسة الاحتواء بدل اتخاذ قرارات حاسمة.
وفي ما يتعلق بدور حزب الله، يشير شحادة إلى “غياب الأدلة الموثقة على تورطه المباشر”، لكنه يلفت إلى أن نفوذه الأمني والجغرافي يجعله حاضرًا في النقاش العام، محذرًا من أن استمرار الاتهامات يضع لبنان في موقع دفاعي أمام المجتمع الدولي.
اختبار سياسي وقانوني
وبحسب ذا ميديا لاين، تضع هذه القضية لبنان أمام اختبار قانوني وسياسي معقّد، تتداخل فيه الضغوط السورية مع مطالب دولية، لا سيما فرنسية، لملاحقة شخصيات متهمة بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
ويزداد تعقيد الملف مع امتلاك بعض الضباط إقامات قانونية، وتضارب الروايات بين نفي رسمي لبناني وتقارير إعلامية وتحقيقات دولية تتحدث عن علم السلطات بوجودهم وتقديم تسهيلات لبعضهم.
ومع دخول فرنسا على خط القضية عبر طلبات قضائية رسمية، يبقى مصير الضباط السوريين في لبنان معلقًا بين اعتبارات السيادة والقانون والضغوط الإقليمية والدولية، في ملف حساس يؤثر على مستقبل العلاقة بين بيروت ودمشق.