
قصر العدل
لا يمكن اختزال ما جرى في منطقة ساقية الجنزير في بيروت على أنه إشكال أمني عابر، بل يعكس أزمة أعمق تتعلق بقدرة الدولة على تنفيذ قراراتها، في ظل تناقض واضح بين التوجيهات السياسية والتطبيق الميداني.
فبحسب الوقائع، نفّذت دورية من أمن الدولة مداهمة استناداً إلى إشارة قضائية صادرة عن المدعي العام المالي ماهر شعيتو، بحق أحد أصحاب المولدات، على خلفية مخالفات مالية وإدارية، شملت التهرّب الضريبي والعمل من دون ترخيص وفرض تسعيرات مخالفة.
ورغم تبليغ المعني بالأمر بوجوب المثول أمام القضاء، إلا أنه لم يلتزم، ما استدعى إصدار إشارة إحضار رسمية. وعند تنفيذ المداهمة، تعرّضت الدورية لاعتداء مباشر، ما دفع العناصر إلى إطلاق النار في الهواء لتأمين انسحابهم وتنفيذ المهمة.
غير أن التطور الأبرز تمثّل في موقف رئيس الحكومة نواف سلام، الذي دان ما وصفه بـ”العنف” الصادر عن عناصر أمنية، معتبراً أن ما جرى غير مقبول، ومعلناً فتح تحقيق واتخاذ إجراءات بحق المتورطين.
هذا الموقف فتح باب التساؤلات حول التناقض بين القرارات الرسمية والتطبيق العملي. فالحكومة نفسها كانت قد أطلقت حملة لضبط مخالفات المولدات، وأصدرت تعاميم تفرض إجراءات صارمة بحق المخالفين، بينها تنظيم محاضر ضبط ومصادرة المعدات وإحالة المخالفين إلى القضاء.
وقد نُفذت بالفعل مداهمات في مناطق عدة دون تسجيل حوادث تُذكر، ما يطرح تساؤلاً حول سبب اختلاف التعامل مع حادثة ساقية الجنزير تحديداً، وما إذا كانت معايير تنفيذ القانون تخضع لاعتبارات مختلفة من منطقة إلى أخرى.
ويعكس هذا المشهد إشكالية أوسع تتعلق بقدرة الدولة على فرض سلطتها، إذ إن التراجع عند أول احتكاك ميداني يبعث برسالة سلبية مفادها أن الاعتراض قد يعيق تنفيذ القانون.
كما يثير الحادث تساؤلات حول جدية الشعارات السياسية، خصوصاً في ما يتعلق بفرض الأمن وضبط المخالفات، في وقت تبدو فيه الدولة عاجزة عن تطبيق قرارات قضائية واضحة.
في المحصلة، تتجاوز القضية إطار حادثة محددة، لتطرح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة السلطة في لبنان: هل القرار بيد المؤسسات الرسمية، أم أن موازين القوى على الأرض هي التي تحدد كيفية تطبيق القانون؟