
شارع المصارف
الأزمة النظامية التي عصفت بلبنان بسبب سوء استخدام السلطة السياسية وسوء إدارة القطاع العام والمؤسسات العامة ذات الطابع التجاري، أدّت إلى أزمة ثقة كان لها تداعيات مباشرة وعميقة على القطاع المصرفي اللبناني، الذي تراجعت تسليفاته بالعملات الأجنبية إلى القطاع الخاص بنسبة 87% منذ العام 2019، وكذلك تراجعت التسليفات بالليرة اللبنانية بنسبة 67%. كما كان هناك تراجع بنسبة 28% في الودائع بالعملات الأجنبية، إضافةً إلى هبوط رأسمال المصارف من 21 مليار دولار إلى 5 مليارات دولار، وتراجع السيولة بنسبة 75%، وتراجع عدد الفروع المصرفية بنسبة 40%. أما المؤشر الأسوأ فهو تراجع عدد الموظفين من أكثر من 25 ألف موظف إلى أقل من 13 ألف موظف.
ولا يخفى على أحد أنه نتيجة أزمة السيولة والأزمة النظامية تجمّد العمل المصرفي، إن كان من ناحية التسليفات إلى القطاع الخاص أم من ناحية استقطاب الودائع، وأصبحت أولوية المصارف الاستمرارية وإدارة المخاطر والحفاظ على السيولة الموجودة وإنشاء بنى تحتية تحضيراً لفترة ما بعد انتظام العمل المصرفي.
في هذا السياق كشف كبير الاقتصاديين في مجموعة بنك بيبلوس، الدكتور نسيب غبريل، في حديثه لصوت بيروت إنترناشونال، أن جزءاً من المصارف بدأ بالتحضير لمرحلة ما بعد إعادة الهيكلة ولمواكبة الطلب في السوق اللبناني والتطورات في الحقل التكنولوجي، وتحديداً التكنولوجيا المالية، “وبدأنا نشهد إطلاق بعض المنتجات الرقمية الإلكترونية لبعض المصارف بالتوازي مع التحضير لمرحلة ما بعد الهيكلة”.
كما كشف غبريل أن بعض المصارف تعرف حاجات السوق حالياً وفي المستقبل، ولذلك أطلقت منتجات مبنية على التكنولوجيا الرقمية والمالية كتطبيقات جديدة أطلقها عدد من المصارف باتجاه المصرف الإلكتروني أو الصيرفة الرقمية، من أجل تسهيل عمل المواطنين لجهة الولوج إلى حساباتهم وفتحها إلكترونياً. وكذلك تساعدهم في حياتهم اليومية بحيث يصبح بإمكانهم دفع فواتيرهم من خلال هذه التطبيقات، وتساعدهم أيضاً في حال سفرهم إلى الخارج.
ورأى غبريل أن هذه التطبيقات هي في إطار التحضير لمنتجات إضافية في المستقبل، بانتظار بلورة القوانين والاتفاق مع صندوق النقد الدولي وإقرار مشروع قانون ما يسمى بـ”الفجوة المالية”، متوقعاً أن نشهد إطلاق منتجات جديدة مبنية على الصيرفة الإلكترونية والرقمية ولكن تدريجياً، وخصوصاً بعد إعادة انتظام العمل المصرفي.
ولفت غبريل إلى أن هناك إقبالاً على التطبيقات الجديدة لأنها تخدم حاجات الناس، وقريباً ستخدم حاجات الشركات، وهي تُكمِّل عمل المصارف التقليدية ولا تلغيه، مشيراً إلى أن هناك جهات خارج القطاع المصرفي تحاول تعبئة فراغ التأخّر في الإصلاحات، لكن لا يمكنها أن تأخذ مكان المصارف، “وكل جهة ستأخذ حجمها الطبيعي عاجلاً أم آجلاً”.
ومن أجل دعم هذه المبادرات المبنية على التكنولوجيا، رأى غبريل أننا بحاجة إلى قطاع اتصالات حيوي وحديث ومنافس، ونوعية مرتفعة وكلفة منخفضة، مع العمل على تطوير قطاع التكنولوجيا، مؤكداً أن قطاع اتصالات حيوي ومنافس يقدّم نوعية خدمات مرتفعة بكلفة مقبولة يساعد على تنافسية الاقتصاد اللبناني ويخفف الكلفة على الشركات والمؤسسات والأفراد والقطاع الخاص عموماً.