الأثنين 27 صفر 1448 ﻫ - 10 أغسطس 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

غبريل عبر صوت بيروت: إصلاح المصارف يبدأ باستعادة الثقة.. فمن يدفع ثمن الودائع؟

أميمة شمس الدين
A A A
طباعة المقال

بعد توقفه بسبب الحرب، يعاود مجلس النواب مناقشة القوانين الإصلاحية، وفي مقدمتها قانون إصلاح القطاع المصرفي، المرتقب إقراره غداً في الهيئة العامة، وقانون استرداد الودائع، أو ما يُعرف بقانون الفجوة المالية، لما لهذين القانونين من أهمية وتداعيات على مسار الخروج من الأزمة الاقتصادية والمالية من جهة، ولكونهما يشكلان شرطاً أساسياً لإبرام اتفاق بين لبنان وصندوق النقد الدولي من جهة أخرى، فضلاً عن كونهما يمثلان خارطة طريق لإعادة أموال المودعين، وهو الملف الأكثر أهمية بالنسبة إلى اللبنانيين.

وفي هذا السياق، أكد الباحث في الشؤون المالية والاقتصادية الدكتور نسيب غبريل، في حديث إلى «صوت بيروت إنترناشونال»، أن الهدف الأساسي من أي برنامج إصلاحي هو استعادة الثقة وإعادة لبنان إلى خارطة التنافس الاقتصادي في الشرق الأوسط، وإلى الأسواق المالية والمصرفية العالمية التي أصبح على هامشها منذ قرار التخلف عن سداد سندات «اليوروبوندز» في آذار 2020.

واعتبر غبريل أن بدء المفاوضات مع حاملي سندات «اليوروبوندز» يمثل خطوة حاسمة، مشيراً إلى أن «إثيوبيا، على سبيل المثال، تخلفت عن السداد عام 2022، لكنها توصلت مؤخراً إلى اتفاق يتضمن اقتطاعاً (Haircut) بنسبة 12 بالمئة فقط على سندات اليوروبوندز، بينما يتحدث البعض في لبنان عن اقتطاع يصل إلى 80 أو 85 بالمئة».

ورأى غبريل أن معالجة الأزمة تتطلب قراراً سياسياً وإجابة واضحة عن سؤال جوهري يتعلق بهوية الاقتصاد اللبناني الذي نريده.

وقال: «هل نريد اقتصاداً يكون القطاع الخاص والمبادرة الفردية عموده الفقري، ويكتمل بقطاع عام رشيق يحسن بيئة الأعمال، ويوفر خدمات عالية الجودة بكلفة منخفضة، ويقدم شبكة أمان اجتماعية، ويطبق حكم القانون، وينخرط في الأسواق المالية والمصرفية والتجارية العالمية، ويحترم فصل السلطات واستقلالية القضاء؟».

واعتبر أن هذه المبادئ تشكل جوهر الإصلاح المطلوب، مؤكداً أن إصلاح القطاع المصرفي لا يمكن أن يتم بمعزل عن إصلاحات أوسع تطال مختلف مؤسسات الدولة والاقتصاد.

وفي ما يتعلق بالمصارف التجارية، لفت غبريل إلى أن القطاع المصرفي تقلص حجمه بشكل كبير تحت ضغط الأزمة الحالية، مستعرضاً عدداً من المؤشرات التي تعكس حجم الانكماش الذي شهده القطاع.

وأوضح أن التسليفات للقطاع الخاص بالعملات الأجنبية تراجعت بنسبة 88 بالمئة منذ اندلاع الأزمة، فيما انخفضت التسليفات بالليرة اللبنانية بنسبة 59 بالمئة، كما تراجعت السيولة لدى المصارف في البنوك المراسلة في الخارج بنسبة 54 بالمئة.

وأشار إلى أن الودائع بالعملات الأجنبية انخفضت بنسبة 32 بالمئة، في حين لا تتجاوز الودائع بالعملات النقدية الطازجة «Fresh Dollars» خمسة مليارات دولار، بينما أصبحت التسليفات للقطاع الخاص بالعملات الطازجة أقل من 800 مليون دولار.

وأضاف أن رأسمال المصارف تراجع من 21 مليار دولار إلى نحو خمسة مليارات دولار، كما تقلص عدد الفروع المصرفية بنسبة 40 بالمئة، في حين انخفض عدد العاملين في القطاع المصرفي من أكثر من 25 ألف موظف في بداية الأزمة إلى نحو 12 ألف موظف حالياً.

وقال غبريل إن هذه الأرقام تعكس واقع القطاع المصرفي اليوم، وتبرز الحاجة الملحة إلى إعادة تفعيل دوره وتطويره، مشدداً على أن إصلاح القطاع المصرفي يتطلب، إلى جانب الإجراءات التقنية والمالية، مجموعة واسعة من الإصلاحات السياسية والأمنية والقانونية والإدارية.

وفي الجانب الأمني، اعتبر أن الإصلاح يتطلب بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، وحصرية السلاح بيد الدولة، وأن يكون قرار الحرب والسلم بيد السلطة التنفيذية.

وعلى المستوى الدبلوماسي، شدد على ضرورة إعادة ترميم العلاقات مع الدول العربية والخليجية، وتحديداً المملكة العربية السعودية، لما لذلك من أهمية في إعادة لبنان إلى محيطه العربي وتعزيز علاقاته الاقتصادية والاستثمارية.

أما على المستوى الدستوري والقانوني، فأكد ضرورة احترام المهل الدستورية، وتعزيز فصل السلطات، ودعم استقلالية القضاء وتطبيق حكم القانون.
وفي ما يتعلق بالإدارة العامة، دعا غبريل إلى إعادة هيكلة عميقة للقطاع العام، ورفع احتكار الدولة عن القطاعات الخدمية، مثل الكهرباء والاتصالات والمياه والطرقات والمطارات، وإدخال المنافسة من خلال شركات عالمية متخصصة تحت رقابة هيئات ناظمة.

كما دعا إلى إغلاق نحو 90 مؤسسة وهيئة مستقلة انتفى سبب وجودها، وإلغاء أكثر من 20 ألف وظيفة وهمية، إضافة إلى إصلاح نظام التقاعد في القطاع العام، استناداً إلى دراسات صندوق النقد الدولي، وضبط التوظيف والسيطرة على ارتفاع المخصصات الاجتماعية.

وفي مجال المالية العامة والاقتصاد الموازي، شدد غبريل على ضرورة مكافحة التهرب الجمركي والضريبي، وتفعيل الجباية، ومحاربة «اقتصاد الظل» الذي ساهم، بحسب قوله، في وضع لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي «FATF»، وعلى لائحة الاتحاد الأوروبي للدول مرتفعة المخاطر.

واعتبر أن إزالة اسم لبنان عن هذه اللوائح يجب أن تكون من أولويات الإصلاح، لما لذلك من انعكاسات مباشرة على القطاع المالي والمصرفي وعلى قدرة لبنان على التعامل مع الأسواق والمؤسسات المالية الدولية.

وفي ملف الودائع، أشار غبريل إلى أن تسديد مبلغ 100 ألف دولار لكل مودع على مدى أربع سنوات يتطلب نحو 22 مليار دولار، بينها نحو تسعة مليارات دولار في السنة الأولى، على أن يتحمل مصرف لبنان 60 بالمئة من المبلغ والمصارف 40 بالمئة، من دون مشاركة مباشرة من الدولة.

وفي ضوء هذه الأرقام، طرح غبريل السؤال الأساسي الذي لا يزال يشكل جوهر الأزمة: من أين ستأتي السيولة اللازمة لاسترداد الودائع؟

فالإصلاح، وفق هذه المقاربة، لا يقتصر على إقرار قوانين مالية ومصرفية، بل يتطلب إعادة بناء الثقة والاقتصاد والقطاع المصرفي ومؤسسات الدولة، بما يتيح تأمين الموارد اللازمة لمعالجة أزمة الودائع وإعادة لبنان إلى الدورة الاقتصادية والمالية الطبيعية.