السبت 20 ذو الحجة 1447 ﻫ - 6 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

غبريل لصوت بيروت: أي اتفاق يوقف الحرب مع إسرائيل يعيد الثقة للاقتصاد اللبناني

أميمة شمس الدين
A A A
طباعة المقال

ربما من المبكر الحديث عن مكاسب جيوسياسية أو اقتصادية للبنان من جراء تحقيق السلام، خصوصاً وأن المحادثات بين الوفد الأميركي والوفد الإسرائيلي، لا تزال في بداياتها، وهي مسار طويل ومعقد يتطلب وقتاً غير قصير للوصول إلى نتائج نهائية.
ولا شك أن هذا المسار لا يمكن أن يُحسم خلال أسابيع قليلة، نظراً لتشعب الملفات المطروحة، والتي تشمل وقف الأعمال الحربية الإسرائيلية، وقف النزوح وعودة النازحين إلى قراهم وبلداتهم، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، إضافة إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية بشكل دائم. فضلاً عن أكثر القضايا حساسية ملف نزع سلاح حزب الله والتنظيمات المسلحة الأخرى، وكل هذه الملفات مجتمعة تحتاج إلى وقت طويل ومعالجة دقيقة ومتدرجة.

في هذا الإطار رأى الباحث في الشؤون الاقتصادية والمالية الدكتور نسيب غبريل في حديث لصوت بيروت إنترناشونال أن أي اتفاق محتمل، بغض النظر عن طبيعته، من شأنه أن يحقق للبنان مكسباً أساسياً يتمثل في تحييده عن الصراعات الإقليمية ومنع تكرار اندلاع الحروب على أراضيه بشكل دوري، وهو ما وصفه بأنه “صدمة إيجابية” من شأنها أن تعيد الثقة تدريجياً إلى الاقتصاد اللبناني.

وفي سياق تقييمه للتداعيات الاقتصادية خلال الفترة الممتدة من أواخر كانون الثاني 2023 حتى أيار 2026، أشار غبريل إلى أن لبنان عاش في حالة شبه حرب خلال نحو 60% من هذه المدة، ما انعكس سلباً على قدرته على النمو وجذب الاستثمارات. ولفت إلى أن الاقتصاد لا يمكنه التقاط أنفاسه في ظل هذا المستوى من عدم الاستقرار، خاصة أن الجنوب اللبناني كان في حالة توتر مستمر مع تسجيل غارات متكررة خلال عام 2025.

ورأى أن أول مكسب فعلي للبنان يتمثل في وقف تكرار اندلاع الحروب من هذا النوع، وخصوصاً تلك التي تحصل من دون علم أو موافقة السلطات اللبنانية، مؤكداً أن هذا الأمر وحده كفيل بإحداث تغيير جذري في البيئة الاقتصادية.

أما المكسب الثاني، بحسب غبريل، فيتمثل في تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية، مشيراً إلى الكلفة العالية التي يتكبدها الاقتصاد اللبناني نتيجة النزاعات، سواء على مستوى الدمار المادي أو الفرص الضائعة أو تراجع النمو.

واعتبر أن تقدير الكلفة الحقيقية للأضرار لا يزال مبكراً في ظل غياب مسوحات ميدانية دقيقة، إلا أن الخسائر الاقتصادية الناتجة عن فقدان فرص النمو تبدو كبيرة جداً، إذ تحول النمو المتوقع إلى انكماش خلال السنوات الأخيرة.

وأوضح أن الاقتصاد اللبناني سجل انكماشاً بنسبة 0.5 في المئة في عام 2023 بدلاً من نمو متوقع بنسبة 3%، ثم انكماشاً بنسبة 5.2 في المئة في عام 2024 بدلاً من نمو كان مقدراً بنحو 4%، فيما يتجه عام 2026 نحو انكماش قد يصل إلى 8 في المئة مقارنة بتوقعات سابقة كانت تشير إلى نمو مماثل.

وأضاف أن وقف الفرص الضائعة يشكل بحد ذاته مكسباً كبيراً، إذ إن الاقتصاد اللبناني فقد إمكانات نمو كبيرة خلال هذه الفترة. كما أشار إلى أن الطروحات المتعلقة بالتعاون الاقتصادي أو المشاريع المشتركة أو المناطق الصناعية في الجنوب لا تزال في إطار النظريات ولم تنتقل بعد إلى الواقع العملي.

وأكد غبريل أن أي استقرار مستدام من شأنه أن يعيد الثقة إلى الاقتصاد، ويمنع تكرار سيناريو دخول جهات غير رسمية في قرارات الحرب والسلم، ما يتيح بيئة أكثر أماناً للاستثمار.

وفي هذا السياق، رأى أن الاستقرار سيشكل مدخلاً أساسياً لتنفيذ إصلاحات بنيوية طال انتظارها، تشمل تحسين الحوكمة والإدارة العامة، وإعادة هيكلة القطاع العام، وتحديث النظام المالي والمصرفي، إضافة إلى تنفيذ إصلاحات مرتبطة باتفاق مع صندوق النقد الدولي.

كما أشار إلى أن لبنان، رغم الدعم السياسي والدبلوماسي الذي تلقاه منذ انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة في مطلع عام 2025، لم يتمكن بعد من تحويل هذا الدعم إلى مساعدات مالية واقتصادية ملموسة، بسبب استمرار العقبات السياسية المرتبطة بحصرية السلاح بيد الدولة وقرار الحرب والسلم، إضافة إلى بطء تنفيذ الإصلاحات المطلوبة.

وأوضح أن إزالة هذه العقبات من شأنها أن تفتح الباب أمام استقطاب تمويل ميسر من مؤسسات دولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومؤسسات متعددة الأطراف، إضافة إلى تعزيز فرص الحصول على استثمارات مباشرة، وهو ما يشكل تحوّلاً نوعياً في الاقتصاد اللبناني.

واعتبر غبريل أن هذا المسار، في حال تحقق، يمكن أن ينعكس إيجاباً على مشاريع كبرى مثل إعادة تأهيل البنية التحتية واستكشاف النفط والغاز في المياه الإقليمية، وهي ملفات لا تزال متوقفة بسبب الظروف الحالية.

وفي ما يتعلق بالقطاع المالي، شدد على أن استقرار الوضع السياسي والأمني سيسمح للبنان بالعودة تدريجياً إلى الأسواق المالية والمصرفية العالمية، بعد أن تراجع موقعه منذ قرار التعثر عن سداد سندات اليوروبوندز في آذار 2020، والذي أدى إلى عزله جزئياً عن النظام المالي الدولي.

ولفت إلى أن هذا القرار كانت له تداعيات كبيرة، ليس فقط على قدرة الدولة على الاستدانة، بل أيضاً على قدرة القطاع الخاص على الحصول على تمويل خارجي، وهو ما لا يزال مستمراً حتى اليوم نتيجة غياب إعادة هيكلة منظمة للدين العام.

وأشار إلى أن لبنان لا يزال حتى الآن من بين دولتين فقط في العالم لم تتوصلا إلى اتفاق مع حاملي سندات اليوروبوندز، إلى جانب فنزويلا، في حين أن دولاً أخرى مثل سريلانكا وغانا وإثيوبيا تمكنت من التوصل إلى اتفاقات أعادت تحسين تصنيفها الائتماني.

وختم غبريل بالإشارة إلى أن الاستقرار المستدام من شأنه أيضاً أن ينعكس إيجاباً على قطاعات حيوية مثل السياحة، التي تعد من أكثر القطاعات تضرراً، إضافة إلى تحسين مؤشرات الحوكمة ومكافحة الفساد والتنافسية، ورفع التصنيف الائتماني للبنان تدريجياً، بما يعزز فرص التعافي الاقتصادي على المدى المتوسط والطويل، شرط توفر بيئة مستقرة تمنع تكرار الحروب وتؤسس لمرحلة جديدة من النمو.