الأحد 11 صفر 1448 ﻫ - 26 يوليو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

ما مصير سعر الصرف واحتياطي مصرف لبنان في حال طالت الحرب!؟

أميمة شمس الدين
A A A
طباعة المقال

في ظل استمرار التوترات العسكرية وعدم الاستقرار الأمني، تبقى الأنظار متجهة نحو احتياطي مصرف لبنان من العملات الأجنبية، وسط تزايد المخاوف من اهتزاز سعر الصرف. فهل سيضطر المصرف المركزي إلى استخدام هذا الاحتياطي في حال طالت الأزمة؟ وهل يعني ذلك المسّ بأموال المودعين؟ وهل سيتمكن مصرف لبنان من الحفاظ على استقرار سعر الصرف خلال المرحلة المقبلة، وما الإجراءات التي قد يعتمدها لتحقيق ذلك؟

في هذا الإطار، يقول الباحث المقيم لدى كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال (OSB) في الجامعة الأميركية في بيروت (AUB)، وخبير المخاطر المصرفية الدكتور محمد فحيلي، في حديث لـ”صوت بيروت إنترناشيونال”، إن احتمال استخدام مصرف لبنان جزءاً من احتياطه بالعملة الأجنبية “وارد جداً”، موضحاً أن هناك واجبات أخلاقية تفرض نفسها، فإذا تعذّر على الدولة تمويل الخدمات الأساسية، يصبح من واجب مصرف لبنان التدخل للمساعدة في التمويل.

لكنه استبعد، في المقابل، الوصول إلى مرحلة تعجز فيها الدولة بالكامل عن تمويل هذه الخدمات، مشيراً إلى أنه رغم اشتداد الحرب وارتفاع مسؤوليات الدولة تجاه النازحين وتراجع الإيرادات، فإن احتياطي مصرف لبنان بالعملة الأجنبية لم ينخفض بالمستوى نفسه. كما لفت إلى أن التحويلات المالية من الخارج لم تتراجع حتى الآن بشكل يعكس حجم الأزمة التي يعيشها لبنان.

وأضاف فحيلي أن الانكماش الاقتصادي يساهم أيضاً في تخفيف حجم الإنفاق، ما يؤدي تلقائياً إلى تراجع الطلب على الدولار. واعتبر أن هناك سيناريو مرجحاً قد يتبلور خلال المرحلة المقبلة، يتمثل في لجوء اللبنانيين إلى استخدام جزء من الدولارات “الفريش” المخزنة في المنازل، إضافة إلى السيولة بالدولار الموجودة لدى المؤسسات العاملة في لبنان، وهو ما يشكل عملياً ضخاً إضافياً للعملة الأجنبية داخل الاقتصاد اللبناني.

وانطلاقاً من ذلك، يتوقع فحيلي أن يلجأ مصرف لبنان إلى استخدام جزء محدود من احتياطه بالعملة الأجنبية إذا دعت الحاجة، لكنه يستبعد بشكل كامل أن يتم استنزاف كامل الاحتياطي أو الوصول إلى مرحلة يصبح فيها وضع المصرف المركزي مأزوماً.

أما في ما يتعلق بالعلاقة بين احتياطي مصرف لبنان بالعملة الأجنبية وأموال المودعين، فيعتبر فحيلي أن هناك سوء فهم واسعاً في هذا الملف. ويوضح أنه قبل عام 2019، كان يُطلب من المصارف التجارية إيداع نحو 15 في المئة من ودائعها بالعملة الأجنبية لدى مصرف لبنان، ضمن ما يعرف بـ”الاحتياطي التوظيفي” أو الـ”Required Reserve”. ويعني ذلك أن مصرف لبنان يتصرف بهذه الأموال وفق السياسات التي يراها مناسبة، لكن حقوق المصارف التجارية تجاه هذه الأموال تبقى محفوظة، ما يعني أن هذا الاحتياطي يعود عملياً للمصارف.

وفي المقابل، يشير فحيلي إلى أن مصرف لبنان يمتلك أيضاً احتياطياً تشغيلياً خاصاً به، ناتجاً عن عمليات شراء الدولار والاحتفاظ به، ويُستخدم لتمويل حاجات الدولة بالعملة الأجنبية، مثل رواتب السفراء في الخارج، وتمويل المستوردات الرسمية، إضافة إلى إدارة السياسة النقدية. وشدد على أن هذا الاحتياطي التشغيلي لا يُعتبر من أموال المودعين، بل هو احتياطي خاص بالمصرف المركزي.

ورأى فحيلي أن مصرف لبنان لم يكن واضحاً بشكل كافٍ في شرح حجم الأموال الموجودة لديه، وما إذا كانت تشكل احتياطياً إلزامياً يعود للمصارف والمودعين، أو احتياطياً تشغيلياً خاصاً به. وأضاف أن جزءاً من الأموال التي تُدفع للمودعين ضمن أحكام التعميمين 158 و166 يتم تمويله من قبل مصرف لبنان، لكن هذا التمويل يُحتسب عملياً من احتياطات المصارف التجارية المودعة لديه، سواء على شكل شهادات إيداع أو ضمن الاحتياطي الإلزامي.

وأوضح أن نصف الاستفادة ضمن التعميم 158 يأتي من السيولة التي تؤمنها المصارف التجارية، فيما يأتي النصف الآخر من السيولة التي يوفرها مصرف لبنان، لكنها تُحتسب على المصرف التجاري نفسه. لذلك، يرى فحيلي أنه إلى حين توضيح مصرف لبنان آلية التمويل والفصل بين الاحتياطي الإلزامي والاحتياطي التشغيلي، لا يمكن تقديم جواب حاسم حول هذا الملف. لكنه شدد في الوقت نفسه على أن استخدام جزء من الاحتياطي لا يعني حكماً المسّ بأموال المودعين.

أما بالنسبة إلى سعر الصرف، فيعتبر فحيلي أن احتمال اهتزازه بشكل كبير يبقى ضعيفاً، لأن أي تأثير على سعر الصرف يحتاج إلى سوق عرض وطلب نشطة، في حين أن الليرة اللبنانية، بحسب وصفه، لم تعد عملياً “عملة مضاربة”.

وأوضح أن الاقتصاد الرسمي في لبنان أصبح مدولراً بنسبة تصل إلى 80 في المئة أو أكثر، فيما تتجاوز نسبة الدولرة في الاقتصاد غير الرسمي 90 في المئة، ما يعني أن معظم عمليات الاستهلاك والطبابة والتعليم وحتى الإنفاق الترفيهي تتم بالدولار الأميركي، الأمر الذي يحدّ من قدرة الليرة اللبنانية على التأثير في سوق القطع.

كما استبعد فحيلي إمكانية قيام جهات أو مضاربين بالتلاعب بسوق الصرف من خلال شراء وبيع الدولار مقابل الليرة بهدف التأثير على سعر الصرف، مؤكداً أن اللاعب الأكبر في السوق اليوم هو مصرف لبنان، الذي يعتبر أن الحفاظ على استقرار سعر الصرف “معركة وجودية” بالنسبة إليه.

وأشار إلى أن سعر الصرف الحالي يفيد الدولة اللبنانية، لأنه يؤمن لها إيرادات أكبر مما كان عليه الوضع عندما كان الدولار على سعر 15 ألف ليرة، كما أنه يوفر استقراراً نقدياً تحتاجه الدولة والمؤسسات التجارية على حد سواء.

وختم فحيلي بالتأكيد أن من مصلحة مصرف لبنان والدولة اللبنانية والمؤسسات الاقتصادية الحفاظ على هذا الاستقرار النقدي، خصوصاً أن السوق لم تعد تشهد التقلبات الحادة والمؤلمة التي كانت تسجل سابقاً في سوق القطع، معتبراً أن الليرة اللبنانية لم تعد أداة مضاربة كما كانت في السنوات الماضية.