الخميس 18 ذو الحجة 1447 ﻫ - 4 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

مرفأ بيروت قبل الانفجار .. ملاذ "حزب الله" الآمن وبؤرة التهريب والسمسرات المشبوهة

يعتبر مرفأ بيروت من اهم المرافق الحيوية الموجودة في لبنان، وأهم محطة للتجارة الدولية مع الدول العربية المحيطة، وهو الركيزة الأساسية التي تعتمد عليها الدولة من جهة السمسرات والمحسوبيات كما أنه بؤرة الفساد التي تفرض إحدى القوى السياسية سيطرتها عليه، بحسب تقرير أعدته وكالة الأنباء الفرنسية.

كل ما هو متعلق بمرفأ بيروت مشكوك به، إن من جهة السمسرات، الضرائب والرشاوى، فهو بمثابة دولة صغيرة تديرها ميليشيا تغض الدولة الكبرى الطرف عنها، ويجني العاملين بمرفأ بيروت أرقاما خيالية لا يمكن لأي عامل بأي مرفأ بالعالم أن يحصل عليها، حيث يضم مرفأ بيروت “مافيا” حقيقية تظهر وجه الدولة اللبنانية الغارقة في وحل الاستهتار والقابعة في أحضان الميليشيات، فمن خلال المرفأ يمرر حزب الله أسلحته دون حسيب أو رقيب، ومن خلاله أدخلت شحنة قاتلة لم تعرف الدولة من أدخلها وخزنها وإلى من تعود، في مرفأ بيروت الذي هدد حياة مئات الاف البشر والذي صار نقطة سوداء بعد أن كان المنفذ والأمل في الجغرافيا اللبنانية، ثمة صفقات سوداء تعود بأموال طائلة على التيار الحاكم الذي يطالب الشعب برحيله “التيار الوطني الحر” الأكثر بعدا عن الوطنية والأقرب إلى الاستبداد من الحرية.

وهو الشريك الأساسي لميليشيا حزب الله الذي يغطي فساده في لبنان ومشاركته في الحروب الإقليمية، التيار “العوني” الذي أهلك البلد بطائفيته ومحدودية أفكاره، وتشبيح مريديه، التيار الوطني الذي يقول رئيسه “جبران باسيل” أن زوجته تقف كجميع اللبنانيين لتحصل على 200 دولار بينما في الواقع تشتري العقارات بمئات الآلاف من الدولارات ، ومتى ؟ بعد ثلاثة أيام من انفجار مرفأ بيروت ، بينما ينشغل العالم بإرسال المساعدات ورائحة الدماء تسيطر على شوارع بيروت التي أصبحت بلا جدران، والجثث مرتيمة على الأراضي حيث الركام والزجاج يسيطر على الشوارع الرئيسية، كانت زوجة باسيل ابنة الرئيس العتيد تشتري عقارا لزوجها.

وفي هذا السياق نشر موقع “فرانس برس” تقريرا مفصلا يشرح عن “مرفأ بيروت” قبل الانفجار وتحدث فيه عن الخط العسكري والتهريب ونشاط حزب الله داخله.

ويقول الباحث محمد شمس الدين من مركز “الدولية للمعلومات” الذي نشر دراسات عدة حول الفساد والتهرب الضريبي في لبنان لوكالة فرانس برس، “يُعدّ المرفأ من أكثر المرافق فسادا”، مضيفا: “ليست هناك رقابة فعلية من الحكومة عليه، سواء على جباية الأموال أو إنفاقها”.

وتأسس مرفأ بيروت عام 1894، وكانت تديره شركة فرنسية، ثم شركة خاصة اعتبارا من 1960.

في بداية التسعينات، ومع انتهاء امتياز الشركة، عُيّنت لجنة رسمية مؤقتة لإدارته ولا تزال قائمة حتى اليوم، ويقول شمس الدين إنها تعمل وكأنها “شركة خاصة”.

وكما في كل مؤسسات الدولة، يتم اختيار أعضاء اللجنة بحسب انتمائهم الطائفي: رئيس سني، و6 أعضاء يمثلون الطوائف الرئيسية، ويكون المحظيون مدعومين من أبرز الأحزاب السياسية.

ويقول شمس الدين “نظام المحاصصة ذاته في الدولة ينطبق على المرفأ”.

خط عسكري
يستخدم حزب الله، القوة السياسية الأبرز في لبنان، المرفأ لتمرير بضائع لصالحه أو لصالح رجال أعمال محسوبين عليه، وفق مصادر عدة.

ويقول رئيس مجلس شورى الدولة السابق القاضي شكري صادر لفرانس برس “من المعروف أن هناك بضائع للمقاومة (حزب الله) تمر عبر المرفأ والمطار”، عدا عن المعابر الحدودية.

ويضيف: “في المرفأ كما في المطار، لديه خط عسكري تمر عبره البضائع والسلع من دون تفتيش أو رقابة”، موضحا “خط المقاومة هذا هو نتيجة اتفاق ضمني مع السلطات على ألا يقترب منه أحد”.

في العام 2019، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على المسؤول البارز في حزب الله وفيق صفا بسبب استغلاله “الموانئ والمعابر الحدودية اللبنانية للتهريب وتسهيل السفر بالنيابة عن حزب الله”، وفق ما جاء في بيان للسفارة الأميركية آنذاك.

وأورد البيان مثلا على ذلك بالقول “استفاد حزب الله من صفا لتسهيل مرور المواد، بما في ذلك المخدرات غير المشروعة والأسلحة، عبر ميناء بيروت في لبنان”.

بعد الانفجار الذي تسبّب بمقتل أكثر من 190 شخصا، وإصابة أكثر من 6500 آخرين بجروح، تحدث البعض عن سلاح ومواد أخرى غير قانونية يخزنها حزب الله في المرفأ، لكن الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله نفى أي علاقة لحزبه بمرفأ بيروت.

ولا تقتصر “الأعمال” في المرفأ على حزب الله.

ويسمّي تقرير أعده جهاز أمني قبل أشهر واطلعت وكالة فرانس برس على نسخة منه، بالاسم 5 موظفين على الأقل في مفرزة الجمارك في قسم معاينة البضاعة، “يمنع استبدالهم”، وفق ما ورد فيه.

ويورد بالتفصيل تبعيتهم لمسؤولين محسوبين بدورهم على قوى سياسية (التيار الوطني الحر، حزب الله، حركة امل برئاسة رئيس البرلمان نبيه بري، تيار المستقبل، حزب القوات اللبنانية).

ويفصل التقرير كيفية تقاضيهم وغيرهم من موظفي المرفأ الرشى لقاء معاملات إخراج البضاعة من المرفأ.

ولا يجزم الخبراء إن كانت هذه المداخيل غير القانونية تستفيد منها الأحزاب مباشرة، أو فقط الموظفون المحسوبون عليها.
ويرأس اللجنة المؤقتة لإدارة المرفأ حسن قريطم المحسوب على تيار المستقبل، منذ العام 2002 قبل أن يتم توقيفه مع 24 شخصا آخرين، بينهم مدير عام الجمارك بدري ضاهر المحسوب على التيار الوطني الحر في إطار التحقيق الجاري في الانفجار الناتج وفق السلطات عن حريق اندلع في مستودع خزنت فيه 2750 طنا من نيترات الأمونيوم منذ أكثر من 6 سنوات، من دون أي إجراءات وقاية.

وعلى الرغم من أن مسؤولي المرفأ على اختلاف وظائفهم ومسؤولين سياسيين وقضائيين وأمنيين كانوا على علم بخطورة هذا التخزين، لم تُتخذ أي تدابير لتجنب الكارثة.

تهرب وتهريب
وحتى وقوع الانفجار، كان لبنان يعتمد في غالبية عملياته التجارية على المرفأ الذي تمر عبره أكثر من 70 في المئة من البضائع المستوردة في بلد يعتمد أساساً على الاستيراد.

وتبلغ إيرادات إدارة المرفأ السنوية نحو 220 مليون دولار يعود منها 60 مليون فقط إلى خزينة الدولة، وفق شمس الدين الذي يوضح أن الباقي يفترض أنه يستخدم للرواتب والأجور ولتطوير مرفأ، “إلا أننا فعليا لا نعرف إلى أين يذهب”.

أما في ما يتعلق بالجمارك، فيقدّر حجم التهرّب الجمركي سنويا، وغالبيته من المرفأ، بين مليار وملياري دولار في بلد راوح العجز في الموازنة فيه خلال العامين الماضيين بين 5 وأكثر من 6 مليارات دولار.

مرفأ بيروت بعد الانفجار

مرفأ بيروت بعد الانفجار

وعلى مرّ السنوات، خرجت إلى العلن مرات عدة فضائح فساد ما لبثت أن أعيدت ملفاتها الى الأدراج، من دون محاسبة أحد.

ويقول شمس الدين أن القوى السياسية البارزة تستخدم نفوذها من أجل توظيف أشخاص محسوبين عليها في المرفأ أو تعيين مسؤولين يغضون الطرف عن عمليات تهريب وتهرب جمركي لرجال أعمال يدعمون هذا الحزب أم ذاك، أو التأثير في عقود الشركات العديدة مع إدارة المرفأ، “إذ إن تلزيم الأشغال يجري بالتراضي، والكل يستفيد”.

ويشير شمس الدين الى أنّ عمليات التهريب تتم في معظم الأحيان “عبر جمعيات خيرية وهمية تستحصل على مرسوم من الحكومة يعفيها من الرسوم الجمركية، فيما يعرف الجميع حقيقة الأمر”.

ويبيّن التقرير الأمني أن موظفي المرفأ من أصغرهم إلى أكبرهم وعناصر الأجهزة الأمنية الذين يعملون فيه أيضا، يتلقون رشاوى تتنوع بحسب البضائع التي يسرّعون تمريرها أو يخفّضون رسوم مرورها أو يغضّون النظر عنها.

على سبيل المثال، يتقاضى، وفق التقرير، رئيس كل فرقة مشرفة على المدخل الرئيسي للمرفأ 200 ألف ليرة عن السيارة المستعملة لتسهيل خروجها.

ويتقاضى آخرون في الجمارك أيضا حصتهم على السيارة المستعملة ومهمتهم تخفيض قيمتها في عملية التقييم، وبالتالي تقليل كلفة الضريبة عليها.

أما ما هو أخطر من ذلك، فهو “الممنوعات” كالسلاح والمخدرات مثلا التي تهرّب أحيانا داخل سيارات مستعملة، وفق التقرير.

والمفارقة أن جهاز الكشف بالأشعة السينية، “السكانر”، الوحيد في المرفأ، معطل.

ويقول مصدر في الجمارك رفض الكشف عن اسمه لفرانس برس، “السكانر متوقف عن العمل منذ أبريل 2019 بسبب عطل تقني”، مشيرا إلى أنه “قديم جدا وكلفة تصليحه وتغيير قطعه تتخطى قيمة سعره”.

ولم تُقدم إدارة المرفأ على تغييره نتيجة خلاف داخل الحكومة حول تلزيمه.

وتوقف “السكانر” يعني أن عمليات التفتيش تحصل يدويا فقط، ما يسهّل المخالفات.

كما أن عمليات دفع الرسوم وإخراج البضائع لا تزال تتم على الورق ويدويا أيضا.

بنجامين فرانكلين
ويرى الصحافي الاستقصائي رياض قبيسي الذي يولي منذ سنوات اهتماما خاصاً بملف الفساد في المرفأ، أن “جهاز الجمارك هو الفاسد الأكبر، وأكبر عملياته تحصل في المرفأ”، مضيفا: “كل ما يهمهم هو أن يروا عملة بنجامين فرانكلين”، في إشارة إلى ورقة المئة دولار.

ويتحدث قبيسي لفرانس برس عن “عمليات بيع البضائع المتروكة في مزادات علنية وهمية وأرباح جانبية تُجنى منها”.

وتباع في المزاد العلني بضائع تركها أصحابها في المرفأ لأسباب مختلفة قد يكون بينها عدم قدرتهم على دفع رسومها.

ويُشكك كثر في قدرة التحقيق الذي تقوم به الدولة اللبنانية على الوصول إلى الحقيقة في موضوع الانفجار بسبب انعدام الثقة بالمؤسسات على اختلافها.

ومن هنا مطالبة البعض بتحقيق دولي.

يقول صادر لفرانس برس “ليس في المرفأ فقط، بل إن الفساد بأكمله في لبنان لم يعد بحاجة لدليل”.

ويضيف “مهما يكن قاضي التحقيق جيدا، وهو كذلك، كيف يمكن أن نؤمن بتحقيق يعتمد على الأجهزة الأمنية ومن يحكمها” من قوى سياسية؟.

    المصدر :
  • فرانس برس AFP