الخميس 18 ذو الحجة 1447 ﻫ - 4 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

"مصائب" السنّة كثيرة: أزمة التمديد للمفتي مالك الشعار

مع نهاية العام 2019، في 31 كانون الأول، تنتهي ولاية مفتي طرابلس والشمال، الشيخ مالك الشعار، وهي ولاية ممدة في الأصل قبل عامٍ وثلاثة أشهر، في أيلول 2018، مع بلوغ الشعار السنّ القانوني (70 عامًا).

لكنّ الشعار، الذي لا يُخفى على أحدٍ جنوحه الشديد إلى التمسّك بالكرسي والمنصب، يبدو أنه يسعى مجددًا إلى التمديد لنفسه ولاية إضافية، عبر استمالة مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان والرئيس سعد الحريري.

وهذه المرّة تحت حجة أنّ الأوضاع المتوترة في البلد لا تحتمل إجراء انتخابات لمنصب الإفتاء!

 

حتّى الآن، لم يدعُ المفتي دريان بشكلٍ رسمي أعضاء المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى، في الشمال، تحضيرًا لإجراء انتخابات الافتاء بدلًا من الشعار، ما يعني أنّ ورقة التمديد أصبحت واقعًا يلوح بالأفق. والشعار، يواجه رفضًا شعبيًا ودينيًا وسياسيًا، لبقائه على رأس منصب الإفتاء خارقًا القوانين والأعراف، باستثناء تأييد تيار المستقبل لبقائه، وتحديدًا من قِبل الرئيس الحريري نظرًا إلى انحياز الشعار له بشكلٍ مباشرٍ وواضح.

فاتورة انتخابات 2018
العام الماضي، ورغم أنّ العلاقة بين الشعار ودريان ليست جيدة تماماً، إلّا أنّ الأخير أصدر قرار التمديد متجاوزًا القانون وكلّ الحملات المنددة بهذا القرار. وذلك بناءً على طلب الرئيس الحريري. وللتذكير، فإنّ دعم الحريري للشعار لم يكن مجانيًا، وإنما جاء بعد انتخابات أيار 2018 النيابية، حين لعب الشعار دور “المفتاح الانتخابي”، وخاض حملة دعمٍ كبيرة لتيار الحريري السياسي،

لدرجة وضعه بمنزلة “المقدّس” سياسيًا وطائفيًا. ودعا الناس إلى انتخاب لائحته في إحدى خطب الجمعة الشهيرة، أثناء زيارة الحريري لطرابلس ضمن حملته الانتخابية.
وفي أيلول 2018، جاء الدور على الحريري حتّى يسدد ثمن فاتورة مبايعة الشيخ الشعار له، سياسيًا وطائفيًا، وانحيازه المطلق لتياره، تسويقًا ودعمًا. فأصدر دريان قرار التمديد له بطلبٍ سياسي لا لبس فيه.
وبينما يتمسك الشعار بمنصبه، رغم ضعف الاحتضان الشعبي له، يستمر التمديد له بصيغة غير شرعية، لعدم التزام المهل القانونيّة، أو اللجوء إلى خيار تكليف أمين الفتوى الشيخ محمد الإمام القيام بمهمات الإفتاء إلى حين انتخاب مفتٍ جديد، طبقاً للمادة 27 من المرسوم الاشتراعي الرقم 18/ 1955.
 وعمليًا، من يتولى التمديد هو المجلس الشرعي وليس مفتي الجمهورية، لأن المرسوم الاشتراعي الرقم 18/55، لا يعطي الحق لمفتي الجمهورية لا أن يمدد ولا أن يكلّف. لكن استثناءً، صدر في العام 2003، قرار مدّته سنتين، أجاز لمفتي الجمهورية في وقتها أن يمدد لـ4 مفتين في حال انتهت ولايتهم، ولم يكن هناك انتخابات.
كذلك، ينصّ المرسوم على أنه في طرابلس وبيروت حصراً، في حال شغور مركز الافتاء، يقوم أمين الفتوى بمهمات الإفتاء. وقد حصل ذلك مرتين. مرّة في العام 1980، حين استقال المفتي الشيخ نديم الجسر، جاء مكانه أمين الفتوى رامز الملك. وفي العام 2005، انتهت ولاية الشيخ طه صابونجي وجاء مكانه الشيخ الإمام نفسه.
لكن، وفي سابقةٍ مشابهةٍ في العام 2013، أصدر مفتي الجمهورية السابق محمد رشيد قباني منفرداً قرارات عدة بتعيين مفتين، ومن بينهم مفتي عكار الشيخ زيد بكار زكريا.
إلا أنّ عدداً من أعضاء المجلس الشرعي، قدموا مراجعة إبطال أمام مجلس الشورى لتجاوز قباني حدّ السلطة، فأبطلوا قرار تعيين زكريا، وطلبوا وقف تنفيذه قبل إبطاله، لتوقيف زكريا عن أداء مهمات الافتاء، ونجحوا في ذلك.

“ثورة” على التمديد
في الواقع، وفيما تشهد مدينة طرابلس وجوارها من المناطق الشمالية ثورة تطالب بتغيير حتّى النواب المنتخبين والشرعيين دستورياً، لم تستثنِ المفتي الشعار “كلن يعني كلن”.

وقد شهد تظاهرات عدّة أمام منزله، كان آخرها الاعتداء على غرفة الأمن التابعة له، من دون أن يلقى دعمًا سياسيًا وشعبيًا واسعين، تنديدًا بهذا الاعتداء، نتيجة حجم الاستياء منه ومن أدائه.
والأوساط المتابعة لملف الإفتاء في طرابلس، تدفع نحو دعوة دار الفتوى إلى احترام النصاب والبعد القانوني، وعدم اللجوء إلى التمديد، لأنّ الأمر سيشكل استفزازًا كبيرًا لإرادة المدينة، لا سيما بعد انتفاضتها الشعبية، وعدم القبول بأيّ نوع من أنواع التمديد الخارج عن القانون تكريسًا للسلطة القائمة.
سياسيًا، كان الرئيس نجيب ميقاتي أول من أعلن موقفًا مباشرًا ضدّ إعادة تجربة التمديد للشعار. وفي بداية هذا الأسبوع، أجرى ميقاتي اتصالًا بالمفتي دريان، داعيًا إياه إلى “العمل من أجل أن يكون هذا الاستحقاق الانتخابي ضمن المهلة التي سبق أن حددت وأتاحت الفرصة للهيئة الناخبة لاختيار شخصية تواكب التحديات التي تواجه الطائفة في طرابلس والشمال ككل”.
معتبرًا أنّه “من الخطأ القفز فوق القوانين ورغبة أكثرية المعنيين بإجراء هذا الاستحقاق من خلال محاولات تمديد ولاية المفتي الحالي مجددًا”. وقال: “إنّ القوانين  تحدد آلية  واضحة تنص على تسلم أمين الفتوى مهام الافتاء إلى حين انتخاب مفتٍ جديد”.

“مفتي السلطان”!
من جهته، يرفع اللواء أشرف ريفي السقف ضدّ التمديد للشعار في حديث لـ “المدن”، ويؤكد على رفضه المطلق للمبدأ من أساسه، وأنه كان ضدّ التمديد الأول للشعار، ولا يأمل الخوض في هذه التجربة من جديد، و”إلّا فليتحملّ كلّ داعمٍ للتمديد مسؤولياته التاريخية تجاه طرابلس وأبنائها”.

يقول: “الظروف الراهنة لا تبرر التمديد، لأنّ الوضع القائم هو بأسوأ أحواله، وأيّ تغيير أصبح حاجة ملحّة لضخّ دمٍ جديد وتجديد الأمل للناس بأن السلطة تتجاوب مع مطالبهم. أما الاستمرار في التمديد للشعار، فهو إساءة للقانون ولإرادة المدينة وأهلها معًا، والأجدى أن يحترم الجميع تداول السلطات”.
يذكّر ريفي أنّ المفتي ليس من ضمن نطاق عمله التدخل في السياسة، بل عليه أن يتنحى عنها، وأن ينشغل بالأمور الدينية وبأحوال المشايخ ضمن نطاق مهماته المحددة قانونيًا، بدل أن يكون داعمًا لطرفٍ ضدّ آخر تحت غطاء طائفي.
يضيف ريفي: “في عهد الشعار لم تتأمن كرامة المشايخ، والأوقاوف لديها أملاك كبرى لم يستثمرها الشعار لصالح أحوالهم. وعلى مدار أكثر من 10 سنوات من توليه منصب الافتاء لم يحصل أيّ تقدم في مسألة تسوية أوضاع رجال الدين، ولم يضف شيئاً إلى أوقاف المدينة، واقتصر دوره على الدبلوماسيات والتدخل في السياسة مقابل تقصيره في واجباته.
وبكلّ المجالس، حتّى الدينية منها، لم نلمس أيّ رضى عن المفتى الشعار، وهناك شبه إجماع على رفض التمديد لولايته الممدة”.
يشبّه ريفي الشعار بـ”مفتي السلطان”، ويراه “شخصًا متقلبًا وليس ثابتًا على مواقفه، وإنمّا هو مفتي الأغنياء في مدينة الفقراء، في وقتٍ تعاني فيه الطائفة السنية من أوضاعٍ صعبة وحرجة، وهي تحتاج إلى تجديد دمها بدل الاستمرار في العقلية الزبائنية”.

ما موقف السنيورة؟
وبينما حاولت “المدن” التواصل مع الشعار لاستيضاح موقفه، لم يردّ على الاتصال. ويعتبر المحامي همام زيادة، وهو عضو سابق في المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى في الشمال، أنّ الحلّ  يكون في حال لم تجرِ انتخابات الافتاء ضمن المهلة المحددة هو “أن يستلم الموقع أمين الفتوى في طرابلس الشيخ محمد الإمام، وهو شخصية دينية معتدلة وغير مستفز لأحد، بدل الإصرار على الذهاب إلى الحلول المستفزة عبر التمديد للشعار”.

وزيادة الذي وجه نداءً للشعار قائلًا له “دعّ المنصب لغيرك وارحل”، يشير لـ “المدن” أنّ “الرئيس فؤاد السنيورة يسعى شخصيًا إلى التمديد، وهو من يطلب من المفتي ديارن أن يمدد له خارج إرادة أعضاء المجلس، لا سيما أنّه في السنوات الأخيرة يمسك بملف المجلس الشرعي”. يضيف: “هذا التمديد كان ولا يزال غير شرعي، ونحن ندعو الالتزام بالقانون، في ظلّ رفض سياسي وشعبي وديني بأن يبقى الشعار في منصبه”.
وعلى مقلبٍ آخر، تشير معلومات “المدن” أنّ الرئيس السنيورة ليس مؤيدًا للتمديد للشعار، وإنّما هو ضدّه، وأنّ موقفه هو من موقف الرئيس ميقاتي في هذا الشأن، لجهة اجراء انتخابات الافتاء لوصول بديل من الشعار.
وبينما يسعى الرئيس الحريري اقناع المفتي بالتمديد للشعار، “لا يؤيد السنيورة هذا التوجه، وإنّما يتحفظ على الشعار وتحديدًا بعد مشاركته في تشرين الأول الفائت في “اللقاء المشرقي” برعاية رئيس الجمهورية ميشال عون وحضور الوزير جبران باسيل، وإلقائه كلمةً فيه”.