
مطار القليعات
لم يغب مشروع تحويل مطار القليعات العسكري في عكار إلى مطار مدني عن الواجهة منذ عقود، إذ شكّل بندًا دائم الحضور في الخطابات والمطالبات الشعبية والسياسية في شمال لبنان، من دون أن يخرج فعليًا من دائرة الوعود المؤجلة.
غير أن الحاجة الوطنية الملحّة إلى مطار رديف يساند مطار رفيق الحريري الدولي، سواء في حركة النقل الجوي أو الشحن السريع، أعادت تحريك الملف أخيرًا، مع اقتناع رسمي بضرورة إقرار مشروع تطوير مطار الرئيس الشهيد رينيه معوض وتجهيزه، ورصد مبلغ 15 مليون دولار لهذه الغاية.
وقد عاد الملف بقوة إلى طاولة البحث عقب الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء، التي خُصص جزء أساسي منها لمناقشة الطلب المقدم من وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني، والقاضي بتكليف مجلس الإنماء والإعمار التعاقد مع شركة الشرق الأوسط لخدمة المطارات (MEAS) لتنفيذ أعمال التأهيل والصيانة الأولية، تمهيدًا لإعادة تشغيل المطار.
وتعود شركة الشرق الأوسط لخدمة المطارات، التي أُنشئت عام 1998 ضمن التوجه التطويري الذي أطلقه الرئيس الشهيد رفيق الحريري، إلى ملكية كاملة لشركة طيران الشرق الأوسط، وتؤدي دورًا محوريًا في تشغيل وصيانة مرافق مطار رفيق الحريري الدولي. واستندت وزارة الأشغال إلى هذه الخبرة لتبرير اقتراحها اللجوء إلى عقد رضائي، معتبرة أن الشركة تمتلك القدرات التقنية والتشغيلية اللازمة لإنجاز الأعمال بسرعة، وتجاوز المهل الطويلة التي تفرضها المناقصات العامة، فضلًا عن تسهيل ربط مطار القليعات بالأنظمة التشغيلية والتقنية المعتمدة في مطار بيروت، ولا سيما أنظمة السلامة والملاحة والخدمات الأرضية، وفق معايير منظمة الطيران المدني الدولي.
إلا أن هذا الطرح لم يحظَ بإجماع داخل مجلس الوزراء، حيث برز اتجاه يدعو إلى التريث وإجراء مزيد من التدقيقين التقني والقانوني، مع التشديد على ضرورة استشارة الهيئة الناظمة للطيران المدني، لا سيما أن ملف تأهيل المطارات بات يدخل ضمن صلاحياتها بعد تشكيلها.
في المقابل، يميّز النائب سجيع عطية بين مرحلتين متوازيتين لا متعارضتين. فهو يعتبر أن المسار القانوني لإطلاق المناقصات واستدراج العروض عبر الشراكة بين القطاعين العام والخاص بات قائمًا بعد إقرار القانون الخاص بذلك، وأن المسؤولية باتت تقع على عاتق الحكومة للمبادرة إلى التلزيم عبر المجلس الأعلى للخصخصة. وفي الوقت نفسه، يرى أن انتظار استكمال هذا المسار لا يمنع الشروع بصيانة أولية سريعة تتيح تشغيل المطار بشكل محدود.
ويستند عطية إلى معطيات تقنية تشير إلى أن المدرج خضع للفحص عبر هبوط تجريبي لطائرة من طراز بوينغ 737، وأن مبلغ الـ15 مليون دولار متوافر ويمكن تخصيصه لهذه المرحلة، بما يسمح بإنجازها خلال نحو ثلاثة أشهر. لكنه يشدد على أن هذه الخطوة يجب أن تترافق مع تجهيز القاعات الأساسية في المطار، واستكمال المراسيم التنظيمية اللازمة لتأمين عمل الأمن العام والجمارك وسائر الإدارات المختصة، من دون أن يشكل ذلك التفافًا على مسار التلزيم أو المناقصات.
في المقابل، تنفي مصادر وزارة الأشغال حصول أي هبوط تجريبي، معتبرة أن هذا الكلام «لا يمت إلى الواقع بصلة»، ومحذّرة من أن أي محاولة من هذا النوع في ظل الوضع الحالي للمطار تشكل مخاطرة جسيمة، نظرًا إلى عدم جهوزية البنية التحتية لاستقبال الطائرات.
إلى ذلك، يؤكد عطية أن شركة طيران الشرق الأوسط لا تبدي رغبة فعلية في تشغيل مطار القليعات، أو ربما لا تكون قادرة على ذلك لأسباب تتعلق بعدد الطائرات المتوافرة لديها أو بإمكاناتها التشغيلية. وفي المقابل، يشير إلى أن شركات عربية ودولية عدة أبدت منذ تشرين الأول الماضي اهتمامًا جديًا بالاستثمار في المطار، وتمتلك خبرات موثقة في إنشاء المطارات الإقليمية والدولية وتشغيلها، ما ينفي حصرية القدرة بشركة واحدة.
وتوازيًا، برزت اعتراضات على خيار العقد الرضائي، إذ يرى منتقدوه أن قانون الشراء العام يحصر اللجوء إلى هذا النوع من التعاقد بحالات استثنائية محددة، إما لغياب البدائل بسبب حقوق حصرية أو ملكية فكرية، وإما في حالات الطوارئ الناتجة عن أحداث كارثية وغير متوقعة. وبحسب هؤلاء، فإن أيًا من هذين الشرطين لا ينطبق على حالة مطار القليعات، في ظل تعدد الجهات المهتمة، وعدم امتلاك شركة MEAS سجلًا سابقًا في إنشاء المدارج أو مباني الركاب أو استقدام أنظمة الملاحة الجوية والسلامة والأمن من الصفر، رغم خبرتها في التشغيل والصيانة.
وتتعقّد الإشكالية أكثر مع إدراج بند تحويل دفعة أولى بقيمة 15 مليون دولار لتمويل الأشغال، استنادًا إلى مرسوم يعود إلى عام 1963، من دون وضوح كامل بشأن إعداد دفتر شروط متكامل أو عرضه على هيئة الشراء العام، كما يفرض القانون حتى في حالات التعاقد بالتراضي، فضلًا عن غياب تقدير دقيق للكلفة الإجمالية للمشروع وضمانات تمويل مراحله اللاحقة.
وفي هذا السياق، يشير عطية إلى أن الرهان الاقتصادي الحقيقي لا يكمن في تشغيل المطار للرحلات الداخلية، بل في توجيهه نحو التشغيل الإقليمي، ولا سيما باتجاه دول الخليج، مع إمكان تطوير رحلات سياحية منخفضة الكلفة، ورحلات دينية، إضافة إلى الشحن الجوي، بما يحوّل مطار القليعات إلى رافعة تنموية حقيقية لعكار والشمال.