
نسيب غبريل
منذ أن بدأت الحكومة اللبنانية في العام 2020 في التأخر عن سندات اليوروبوندز بدأت التداعيات السلبية لهذا القرار على الإقتصاد بشكل عام و على المصارف و المودعين بشكل خاص فضلاً عن عزل لبنان عن محيطه العربي والمجتمع الدولي ولا يبدو حتى اليوم أن هناك أي نقدم في هذا الملف فقد أشار “بنك أوف أمريكا”، عقب اختتام الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إلى أن الإجماع الناشئ في هذه الاجتماعات هو أنه من غير المرجح أن تتم إعادة هيكلة سندات اليوروبوند اللبنانية قبل نهاية عام 2026 أو الربع الأول من عام 2027 على أقرب تقدير، مع سيناريو أسوأ حالة يتمثل في التوصل إلى اتفاق بعد عام 2030.
هل يحمل التأخير في إعادة هيكلة سندات اليوروبوند المزيد من التداعيات على الإقتصاد اللبناني وماذا يعني تأخر إعادة هيكلة السندات إلى نهاية عام 2026 أو كما يتوقع التقرير إلى العام 2030.
في هذا الإطار يقول كبير الاقتصاديين في مجموعة بنك بيبلوس الدكتور نسيب غبريل في حديث لصوت بيروت إنترناشونال “في لبنان هناك تعتيم كامل حول هذا الموضوع ما يعطي انطباعا بعدم الاهتمام أو الاكتراث به ولولا أن حلت مهلة آذار 2025 التي تنتهي فيها مطالبات حاملي سندات اليوروبوندز بالفوائد المتراكمة لما اتخذت السلطات اللبنانية قرار تمديد المهل لثلاث سنوات حتى آذار 2028 معتبراً أنه “من الواضح أن الصورة التي تعطيها السلطات اللبنانية تشير إلى أن إعادة هيكلة سندات اليوروبوندز ليست أولوية بالنسبة لها”.
ويذكر غبريل أنه في آذار 2020 اتخذت حكومة الرئيس حسان دياب قرار التعثر عن سداد سندات اليوروبوندز، وهو أول مرة يتمنع فيها لبنان عن سداد التزاماته الخارجية في تاريخه لافتاً أن هذا القرار أثر سلباً على مصداقية الدولة اللبنانية رغم كل المشاكل التي كانت تعانيها البلاد واندلاع الأزمة في تشرين الاول 2019 قبل عدة أشهر من هذا القرار “وقد كان للقرار خلفية سياسية ضمن مشروع أوسع لعزل لبنان عن محيطه العربي والمجتمع الدولي”.
وو فقاً لغبريل لم يكن القرار تقنياً بحتاً إذ كانت احتياطيات مصرف لبنان في ذلك الوقت تبلغ 29 مليار دولار بالعملات الأجنبية وكان لديه نحو 14 مليار دولار إضافية في أواخر 2019 قيمة إحتياطي الذهب أي بلغت قيمة الاحتياطات بين الذهب والسبولة و الدولارات حوالي 44 مليار دولار كقابل ماتج محلي حجمه 53 مليار دولار بنهاية 2019 وهي نسبة مرتفعة تسمح لأي بلد لديه هذه الإمكانيات أن يتعثر.
على أي حال يشير غبريل إلى أنه حين اتخذ هذا القرار لم يتم بدء المفاوضات مع حاملي سندات اليوروبوندز ولم يكن هذا هم الحكومة آنذاك إذ كانت تنفذ مشروعا سياسيا أوسع، والدليل على ذلك أن الحكومة اتخذت في الوقت ذاته قرار دعم السلع المستوردة والذي لم يتم تطبيقه بشكل فعال إذ تم احتكار هذه السلع وتهريبها إلى سوريا واستفاد منها بعض المقربون سياسيا فيما لم تستفد السلطات و لا المواطنون المحتاجون اللبنانية منها مما استنزف نحو 14 مليار دولار من احتياط مصرف لبنان بالعملات الأجنبية حتى إيقاف هذا القرار لاحقاً.
ويقول غبريل: لاحقا ومع حكومة الرئيس ميقاتي وقع لبنان في نيسان 2022 اتفاقا مبدئيا مع صندوق النقد الدولي تضمن 9 إجراءات مسبقة من بينها إعادة هيكلة الدين العام أي إعادة هيكلة سندات اليوروبوندز ومع ذلك لم يتم البدء بتنفيذ هذا البند ومعظم البنود الأخرى لم تطبق وهو ما يثير تساؤلات عديدة لدى المعنيين والخبراء.
ويتابع “دخلت الحكومة الحالية على خلفية هذه الملفات ومع أول تصريحاتها أشارت إلى أن موضوع سندات اليوروبوندز سينتقل إلى 2026 “وهو أمر غير معتاد، وتقول توقعات بنك أوف أمريكا أن إعادة الهيكلة قد تتم في أفضل الأحوال بنهاية 2026 أو أوائل 2027 وفي أسوأ الأحوال قد تتأجل حتى 2030”.
وتحدث غبريل عن الجانب السلبي في هذا الأمر و هو أن قرار حكومة دياب التعثر عن سداد سندات اليوروبوندز أدى إلى تهميش لبنان عن النظام المالي والمصرفي والتجاري العالمي وما زال لبنان حتى اليوم بعد أكثر من خمس سنوات على هامش هذا النظام ولا يستطيع الاقتراض من الخارج أو الوصول إلى الأسواق المالية العالمية “بينما دول مثل غانا وسريلانكا وإثيوبيا التي تعثرت عن سداد سنداتها عام 2022 تمكنت من التوصل إلى اتفاقات أولية أو نهائية مع حاملي السندات وعادت تدريجياً إلى الأسواق المالية مما يوضح الكلفة العالية على لبنان من استمرار التأجيل والمماطلة وعدم إعطاء الأولوية لهذا الملف الحيوي”.
وأسف غبربل لأن جميع وكالات التصنيف الائتماني تشير إلى أن تصنيف لبنان سيبقى منخفضا بل في قعر سلم التصنيفات ما لم يتم إعادة هيكلة سندات اليوروبوندز وهذا يؤثر ليس فقط على الدولة اللبنانية التي لا تستطيع الاقتراض بل أيضاً على القطاع الخاص اللبناني إذ تتردد الشركات الأجنبية والمصارف المراسلة في التعامل مع لبنان بسبب انخفاض التصنيف الائتماني ما ينعكس على كلفة العمليات المالية والاستثمارية.
ويتوقع غبريل بأن تأجيل بدء المفاوضات مع حاملي سندات اليوروبوندز يؤدي إلى كلفة متراكمة على الاقتصاد اللبناني ويعيق جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة كما يمنع المؤسسات متعددة الأطراف مثل البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والبنك الدولي من الانخراط بشكل جدي مع لبنان طالما بقي التصنيف الائتماني منخفضاً، “كما أن تمديد المهل حتى آذار 2028 مع استمرار المماطلة قد يدفع هذه المؤسسات إلى اللجوء إلى المسار القضائي ورفع دعاوى ضد الدولة اللبنانية وما زالت الفوائد المتراكمة على سندات اليوروبوندز منذ مارس 2020 تصل إلى نحو 12 مليار دولار ما يوضح أن القرار كان سياسيا بحتاً وليس تقنياً ويهدف إلى عزل لبنان عن النظام المالي والمصرفي والتجاري العالمي مع توسع الاقتصاد النقدي غير الرسمي في البلاد”.