استمع لاذاعتنا

بعد انتشار ظاهرة الهدر… حملات ذكية ومدروسة لإدارة فائض الطعام

رمي بقايا الطعام ظاهرة منتشرة بكثرة في مجتمعاتنا العربية مما دفع الكثير من الجمعيات، سواء في لبنان أو في بعض الدول العربية لإطلاق صفّارة الإنذار والبحث عن حلول لهذا الهدر، في ظل نِسب الفقر المرتفعة في الوطن العربي، وفق تقارير التنمية البشرية الصادرة عن الأمم المتحدة.

وفي شهر رمضان الحالي، أطلق عدد من الجمعيات الخيرية حملات لجمع ما تبقى من أطعمة الولائم وتوزيعه بشكل مدروس على الفقراء والمحتاجين. فرمضان هو شهر الصوم والعبادة، لا شهر التباهي بمدّ السفر الغنية بالمأكولات، والتي سيُهدر الفائض منها بلا مبالاة.
«لها» التقت عدداً من السيدات، وعضو مجلس ادارة «جماعة عباد الرحمن» السيد جمال سكاكيني، والرئيسة التنفيذية لجمعية «بنك الغذاء» الآنسة سهى زعيتر، واطلعت على أسلوب كل منهما في معالجة هذه الآفة، وكان هذا التحقيق…

زهرة سكرية: لا فائض طعام في رمضان
ترى السيدة زهرة سكرية أن شهر رمضان هو شهر الصوم والعبادة، وليس مناسبةً للتباهي بتنوع الأطعمة على الموائد. والعادات المتبعة في رمضان في أيامنا الحالية، وخصوصاً في ما يتعلق بالطعام ليست مقبولة، لا بل إنها بعيدة تماماً عن مبادئ الشهر الفضيل، فالصوم يقضي بالامتناع عن الطعام والشراب والشعور مع المحتاجين، وعدم المبالغة في تحضير الأطعمة، لذا تكتفي زهرة بإعداد طبق واحد إلى جانب السلطة والشوربة أو اللبن، وفي حال قررت دعوة الأهل والأقارب على الإفطار، فهي تطهو بشكل متوازن ومدروس، وعقب الإفطار توضّب ما تبقى من طعام وتوزّعه على الفقراء والمحتاجين، علماً أن لا مشكلة لديها في تناول الطعام البائت.

أمل الجديد: أُوزع على ضيوفي ما أعجبهم من طعام
أما السيدة أمل الجديد فتقول إنها لا تستهلك الكثير من الطعام لأن عائلتها صغيرة، وهي عادةً لا تطبخ بكميات كبيرة حتى لا تضطر الى رمي بقايا الطعام، ففي ظنّها أن بعض الناس يرفضون أخذ الطعام المطبوخ لأنهم ربما لا يستسيغون طعمه أو يتقبّلون مكوّناته، فلكل شخص ذوقه وعاداته وطريقته في الطبخ، فكم من أناس يأخذون الطعام على مضض ويسارعون الى رميه بمجرد أن يدير مقدِّم الطعام ظهره. لذا تفضل أمل توفير ثمن هذا الطعام والتصدّق به بشكل مادي أو بصورة وحدات غذائية غير مطهوّة. وتضيف أنها تدعو أحياناً الأهل والأقارب إلى الإفطار فتضطر لتحضير كميات كبيرة من الطعام، فيأكلون قدر استطاعتهم، ويبقى فائض لا بأس به من الطعام، فتحار في تصريفه، لكن بعد قليل من التفكير تحمّل كلاً من الضيوف صنف الطعام الذي أعجبه، وتستبقي ما يكفي حاجتها لليوم التالي، فلا مشكلة لديها مع الطعام البائت. وتؤكد أمل أنها تحرص في رمضان على أن يشارك أولادها في عمل خيري فترسلهم إلى إحدى الجمعيات التي تُعنى بتوزيع الطعام على الفقراء، فبذلك يتعلمون معنى العطاء ويقدّرون نِعم الله عليهم.

ابتسام عيتاني: ممنوع رمي بقايا الطعام
ترفض السيدة ابتسام عيتاني المبالغة في تحضير المأكولات الرمضانية والإكثار منها، فهي لا تحب أن ترمي بقايا الطعام ولا حتى حفظها في الثلاجة، لذا فإنها تعتمد أسلوباً متوازناً في الطهو، وفي حال كان هناك فائض طعام، تتناوله وأفراد عائلتها في اليوم الثاني أو الثالث حتى تنفد الكمية. أما في المناسبات العائلية الكبيرة، فتوضّب الطعام الفائض في علب بلاستيكية، وتقدّمه الى حارس المبنى أو توزّعه على العائلات المحتاجة. وتؤكد عيتاني أن طبق الفتوش من الممكن تناوله في السحور، أما باقي المأكولات فيُمكن أن تُحفظ في الثلاجة لتؤكل في اليوم التالي أو بعده. وتقول: «ممنوع رمي الطعام، أو ترك بعض الطعام في الأطباق. ففي العادة، أُرغم أولادي على تناول وجبة الطعام بأكملها، وأُصر على ذلك، حتى يُدركوا هذه النعمة، نعمة الطعام الذي يحتاج إليه ملايين الفقراء حول العالم».

عفاف شبارو: بعمل الخير نُفرح القلوب ونكسب الأجر
توافق السيدة عفاف شبارو، السيدتين عيتاني وسكرية الرأي، وتؤكد رفضها المبالغة في إعداد الأطعمة الرمضانية، فرمضان هو شهر الصوم والعبادة وليس شهر الأكل والتُخمة. وتقول: «إذا أردت تحضير الكثير من المأكولات، فلا بد لي من توزيع جزء منها على الفقراء والمحتاجين حتى نشعر ويشعروا بالمشاركة، فهذا هو المعنى الحقيقي للصوم. كما أنني لا أحب الإسراف في الطعام، وعادةً أُحضّر أطباقاً أساسية تكفي ليومين، على أن أدعمها بصنف كمالي. وبما أن رمضان هو شهر الخير والبركة، أُحضّر المزيد من المأكولات، لتوزيعها في اليوم نفسه على الأقارب والجيران، فأنا أعرف جيداً حجم استهلاكي للطعام، ويمكنني تقدير ما سيفيض من أطعمة، سواء في رمضان أو خارجه… وكثيراً ما أُنسّق مع الجيران لإرسال وجبات الطعام للأسر المحتاجة في المنطقة، فبعمل الخير هذا نفرح قلوبهم ونكسب أجراً عظيماً».

جمال سكاكيني: عمل الجمعية تطوعي وشامل
الأستاذ جمال سكاكيني عضو مجلس إدارة «جماعة عباد الرحمن» وأمين سرها، يرى أن رمضان هو شهر العطاء والعبادة، وعلى المسلم أن يستغله لمضاعفة حسناته من خلال تقديم طاعاته لله والقيام بأعمال الخير، ولكن مع مرور الزمن وتغيّر الثقافات، اختلطت الأمور على بعض الناس فأصبحوا يتبعون عادات لا علاقة لها بهذا الشهر الفضيل… ففي الصوم فوائد دينية وصحية، لكن عندما نفكر بالطعام، وبما سنأكل وكيف سنحضّر للإفطار، علينا مراعاة حاجتنا وحاجة عائلتنا، سواء أأفطرنا في البيت او في المطعم، وانطلاقاً من هذا المبدأ، رفعنا في «جماعة عباد الرحمن» شعاراً لهذه السنة هو «نقِّ رمضانك»، أي صفّيه من بعض العادات الدخيلة التي اعتاد بعض الناس ممارستها في رمضان. فإذا ألقينا نظرة سريعة على سلوك المجتمع خلال رمضان أو حتى خارجه، نُفاجأ بكميات الطعام الكبيرة التي تُهدر وتُرمى في مستوعبات القمامة، في وقت يمكن أن يُستفاد منها في مكان آخر بغض الطرف عن وجود عدد كبير من المحتاجين أو عدمه، وهنا أستشهد بقول الرسول (صلّى الله عليه وسلّم) عن الإسراف: «لا تسرفوا بالماء ولو كنتم على نهر جارٍ»، فهو أوصانا بألا نترك بقايا الطعام في أطباقنا، وألا نبذّر أموالنا أو نسرف في الطعام والشراب، ونحن نسير على هذه المبادئ في «جماعة عباد الرحمن».
ويُعرّف سكاكيني عن «جماعة عباد الرحمن» وأهدافها بالقول: «تأسست جماعة عباد الرحمن عام 1949 وعملت بموجب ترخيص صدر في 26 /10 /1951. ورسالتها في المجتمع هي تفعيل التكافل الاجتماعي والتعاون مع كل من يرغب في عمل الخير، وتأمين البيئة المناسبة لتعزيز وعي المجتمع دينياً وإنسانياً وثقافياً، بالإضافة الى طموحها في تنشئة أجيال مؤمنة متخلّقة بأخلاق الرسول، أجيال معتمدة على نفسها وقادرة على خدمة دينها ومجتمعها، كما تقوم بنشاطات متعددة، تربوية وثقافية واجتماعية وخيرية وطبية على مدار العام بما فيه شهر رمضان». ويضيف سكاكيني: «إن كل ما تقوم به الجمعية وتقدمه، ليس نشاطها الفردي بقدر ما هو انعكاس لأهداف الناس الساعين الى عمل الخير ومساعدة الآخرين، وما نحن إلا صلة وصل بينهما، نساعد كلاً منهما للوصول الى غايته، ونكسب حسنات من خلالهما، ونسهّل الأمر على من يريد أداء فريضة الزكاة».
أما بالنسبة الى النشاطات الخاصة بشهر رمضان فيوضح سكاكيني: «لدينا برنامج متنوع طوال الشهر الفضيل، ويتضمن: إفطار صائم، وهو عبارة عن تقديم وجبة غذائية تكفي أفراد الأسرة الواحدة تكون جاهزة ويتم تسليمها يومياً بعد صلاة العصر، ونتبع هذا النهج حرصاً منا على مساعدة الفقراء وتعزيز الترابط العائلي. وفي العادة نقدم هذه الوجبة مرة واحدة خلال شهر رمضان وبحسب وضع العائلة ومدى حاجتها. لا شك في أن المسلم بحاجة الى وجبات إفطار طوال الشهر الفضيل، لكن كجمعية نساعد بقدر إمكاناتنا المادية والبشرية». ويضيف: «ويتضمن برنامجنا الرمضاني أيضاً، إطعام «سائلٍ» أو ما يُسمى «عابر سبيل»، فأي شخص يقصد المسجد بهدف الحصول على طعام، نقدّم له وجبة الأرز باللحم والقدر، من دون التدقيق في هويته أو ظروف حياته… ويتم توزيع هذه الوجبات بالتنسيق مع عدد من المساجد التي تكون على استعداد للتعاون معنا، وعادة تُوزّع الحصص على المحتاجين ما بين صلاتي العصر والمغرب وحتى نفاد الكمية».
ويشير سكاكيني الى أن عمل الجمعية لا يقتصر على شهر رمضان فقط، بل يمتد طوال السنة، إذ تتم مساعدة الأسر الفقيرة عبر تقديمات مالية ومواد غذائية ورعاية صحية ومنح مدرسية… وهي مثلاً توزّع «زكاة الفطر» في رمضان بصورة مواد غذائية على الكثير من العائلات المحتاجة في مختلف المناطق اللبنانية… مؤكداً: «نتعاون في الجمعية مع صندوق الزكاة التابع لدار الفتوى فنهتم بمتابعة العائلات المحتاجة عبر إرسال أشخاص متطوعين للتحرّي عن أوضاعهم، اذ يقوم منهجنا على العمل التطوعي، فالشخص الذي يريد التعريف بعائلة، يصبح مسؤولاً عن متابعة مسار حياتها وما طرأ عليها من تغيرات، كما يقوم بزيارات متكررة الى هذه العائلة بشكل دوري».
ويوضح سكاكيني ان «جماعة عباد الرحمن» تهتم بالأيتام فتقيم لهم حفلَ إفطارٍ سنوياً، تُقدّم خلاله وجبة إفطار وحلوى وألعاب، فيشعرون بالفرح والدعم والمشاركة. كما لا تستقبل الجمعية المأكولات الجاهزة من المحسنين حرصاً منها على صحة المحتاجين وأذواقهم.
ويختتم سكاكيني حديثه بالقول: «نحن مسؤولون أمام الأشخاص المستفيدين، ولدينا نهج صحي، ونحرص على النظافة وجودة الطعام ومدة صلاحيته… لذا نفضّل تسلّم التبرعات بصورة مواد أولية أو هبّات مالية لما في ذلك من خير ومنفعة عامة وزيادة في الإنتاج».

سهى زعيتر:

تقول السيدة سهى زعيتر الرئيسة التنفيذية في جمعية «بنك الغذاء» إن الجمعية تأسّست في الولايات المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية، بعدما تبيّن أنَّ الخط الفاصل بين الجائعين وهادري الطعام آخذ في التمدُّد، ثم اتّسعت رقعة انتشاره إلى أن حط رحاله في لبنان عام 2011. وتُعنى هذه الأخيرة بتوزيع الفائض من الأطعمة الناتجة من الفنادق، المطاعم أو شركات تحضير الطعام على من هم في أمسّ الحاجة إليه.

وقد بدأت حكاية البنك في العالم العربي بعدما نالت الفكرة إعجاب الدكتور المصري معزّ الشهدي، صاحب سلسلة فنادق ومطاعم عدّة في مصر، الذي كان مُشاركاً آنذاك في أحد المؤتمرات التي يُنظمها البنك في الولايات المتحدة، فحملها إلى مصر عام 2006 حيث لاقت نجاحاً وترحيباً، وتمكّن البنك، بإدارة رجال أعمال مصريين، من مساعدة نحو 25 ألف أسرة وإعادة تأهيلها.
وتضيف زعيتر أنَّ الشهدي اجتمع مع عدد من رجال أعمال لبنانيين طرحوا بدورهم الفكرة على مجموعة من المؤسسات التي تخوّفت في بادئ الأمر من إمكان حدوث حالات تسمُّم إذا لم يُحفظ الطعام بطريقة مناسبة وعلمية. لكنّ القلق سرعان ما تبدّد، على حد تعبير زعيتر، حين عقد البنك اتفاقاً مع هذه المؤسسات يُلقى بموجبه اللوم على البنك نفسه في حال وقوع مثل هذه الحالات.
وتفيد زعيتر بأنَّ الجمعية شرعت في مهمتها في جمع الطعام «المطبوخ» وتوفير طرق سليمة لتوزيعه على كلّ الأراضي اللبنانية، علماً أنَّها لا تتعامل بطريقة مباشرة مع «المستحق»، بل عبر جمعيات تقوم بنفسها بتوزيع الطعام بشاحنات مبرّدة، شرط أن يكون لديها إفادة بالأعضاء، علم وخبر، نظام داخلي وأساسي إلى التقيد بالشروط التي يضعها البنك. ويُذكر أنَّ هذه الجمعيات التي تتعامل مع البنك وصل عددها حالياً إلى نحو 80 جمعية.
وتشرح زعيتر عن آلية العمل في البداية فتقول: «بدأنا من خلال علاقات شخصية مع الفنادق والمطاعم، فكنا نسألهم عمّا يفعلونه بالطعام المتبقي! بعضهم قال إنه يوزعه على الموظفين، وآخر أكد أنه يرميه… كان هدفنا التركيز على المطاعم التي ترمي بقايا الطعام وكيفية إيجاد حل لهذا الهدر، وقد استطعنا خلال فترة قصيرة إقناعهم بالتعاون معنا وعقد اتفاق يحميهم من الملاحقة وتحمّل المسؤولية في حال تسمّم أي مستفيد من هذه الأطعمة. كنا كلما علمنا بإقامة حفل، نقصد المكان فوراً ونوضّب الطعام بأوانٍ بلاستيكية ونأخذها بشاحنة مبرّدة، ففريق عملنا يضم مدرّبين ولديهم خبرة في السلامة الغذائية».
وبالنسبة الى الطعام المطبوخ والمحضّر في البيوت ومدى قبول الجمعية به، تقول زعيتر: «لا نستطيع تسلّم الأغذية المطبوخة في المنازل، ونفضل أخذ المواد الأولية والمختومة وغير المحضّرة، ففي البيوت ربما تكون قديمة أو محضرة بطريقة غير صحية، وبذلك لا تكون صالحة للتوزيع، ونحن نحرص على صحة وسلامة المستفيدين من فائض الطعام، ونقدم لهم الأفضل».
وتشير زعيتر الى مبادرة أخرى يقوم بها البنك أيضاً، تتمثل في جمع الأطعمة الجافة، كالمعلّبات، البقول وغيرها، وتوزيعها على شكل حصص غذائية للأسر، مع الحرص على إرسالها إلى خارج بيروت بما أنّ هذه المواد تتحمّل مشقة الطريق ولا تُفسدها حرارة الشمس.

صباح صفير: لعابري السبيل نصيب من طعامي

تلفت السيدة صباح صفير الى أنها لا تحب تغيير اسلوبها في إعداد الطعام في رمضان، فرمضان هو شهر الصوم والعبادة وليس تحضير كل ما لذّ وطاب من المأكولات، لذا على ربّة المنزل ألاّ تبالغ في إعداد الأصناف المتنوعة، خصوصاً أن الصائم لا يستطيع تناول الكثير من الطعام بعد الإفطار. وتستغرب صفير تهافت بعض الناس على شراء مواد غذائية لشهر رمضان توازي مونة ثلاثة أشهر، وكيف يتنافسون ويتباهون بإقامة الولائم بحجة الصوم، في وقت ينسون ما عليهم من واجبات دينية في هذا الشهر الفضيل.
وتضيف صباح ان عائلاتها الصغيرة، التي تضم الى جانبها ابنتها وزوجها، لا تستهلك الكثير من الطعام، ومن هذا المنطلق فهي تحضّر الأطعمة وفق ما يحتاجون اليه، وفي حال بقي بعض الطعام تضعه في علب خاصة وتقدّمه لعابري السبيل حتى لا يفسد في المنزل وتضطر لرميه.

كتابة : غنى حليق – (بيروت)