الخميس 18 ذو الحجة 1447 ﻫ - 4 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

الصراعات السياسية تُدخل مجلس القضاء دوامة "الفراغ القاتل"

يوسف دياب - الشرق الأوسط
A A A
طباعة المقال

دخل مجلس القضاء الأعلى في لبنان اعتباراً من اليوم مرحلة «الفراغ القاتل»، بعد أن أدت الصراعات السياسية إلى وضعه خارج ‏الخدمة، جراء انتهاء ولاية ستة من أعضائه وتعذر تعيين بدلاء عنهم، ليبقى فقط الأعضاء الحكميون، أي رئيس مجلس القضاء الحالي ‏القاضي سهيل عبود، النائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات، ورئيس هيئة التفتيش القضائي القاضي بركان سعد، بالإضافة إلى ‏القاضي عفيف الحكيم الذي فاز بالتزكية في الانتخابات التي جرت الأسبوع الماضي‎.‎

الفراغ الأخطر في عمر القضاء، يعد سابقة في تاريخ مؤسسة العدالة، التي بقيت حتى في أحلك أيام الحرب الأهلية موحدة وفاعلة، ‏وتصدر أحكامها باسم الشعب اللبناني، وتجمع آراء المراجع المعنية على أن السبب الأساس والمباشر لما وصل إليه وضع القضاء ‏‏«يكمن في تجميد مرسوم التشكيلات القضائية، وامتناع رئيس الجمهورية ميشال عون عن توقيعه رغم مرور سنة وشهرين على ‏إنجازه‎».‎
واعتباراً من صباح اليوم، لن تكون هناك سلطة تسير عمل الدوائر القضائية، سواء بملء المراكز التي تشغر في المحاكم أقله ‏بالانتداب، ولا بتوزيع الأعمال، ولا حتى بتوقيع مذكرات إدارية روتينية، ويفترض أن يستمر هذا الشلل إلى حين تعيين أعضاء ‏لمجلس القضاء لينتظم حينها عمل هذه المؤسسة. وعبر مرجع قضائي بارز عن حزنه للواقع الذي أصاب القضاء، ودعا إلى «عدم ‏الإسراف في التفسيرات والتحليلات حيال وصول الأمر إلى هذا الدرك»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «الامتناع عن إصدار مرسوم ‏التشكيلات القضائية هو علة العلل، والسبب الأول لما آلت إليه أوضاع القضاء». ورأى أنه «لو حصلت التشكيلات في وقتها لكنا أمام ‏مروحة تعيينات كاملة وانتخاب عضوين في مجلس القضاء الأعلى‎».‎

وفي انتقاد ضمني لاذع لوزيرة العدل في حكومة تصريف الأعمال ماري كلود نجم، ومرسوم التعيينات الفرعية الذي أعدته لتعيين ‏أربعة أعضاء في مجلس القضاء الأعلى من المحسوبين على التيار الوطني الحر ورئيسه النائب جبران باسيل، ذكر المرجع القضائي ‏بأن «التعيينات في القضاء تخضع لمعايير وأصول لا يمكن تجاوزها، وأهمها أخذ رأي رئيس مجلس القضاء بالأسماء المقترحة»، ‏مبدياً أسفه أن «توضع تعيينات الوزيرة (نجم) على الهواء وتصبح قيد المناقشة والتقييم في الإعلام من دون أن يطلع عليها مجلس ‏القضاء». وقال المرجع القضائي «ليس ثمة موقف مسبق من الأسماء المقترحة، لكن ما هي المعايير التي اعتمدتها وزيرة العدل؟‎».‎

وكانت وزيرة العدل أعدت الأسبوع الماضي مشروع مرسوم يقضي بتعيين أربعة قضاة كأعضاء في مجلس القضاء الأعلى، وهم: ‏رئيسة هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل القاضية جويل فواز (محسوبة على مستشار رئيس الجمهورية سليم جريصاتي)، ‏القاضي سامر يونس (مقرب جداً من باسيل، وسبق لمجلس القضاء أن رفض مرتين متتاليتين اقتراح تعيينه محققاً عدلياً في قضية ‏انفجار مرفأ بيروت)، القاضية رانيا الدحداح (تظهر ولاءها للعهد ولا تتردد في نشر تغريدات تشيد بالقاضية غادة عون وتحدي الأخيرة ‏لقرارات مجلس القضاء الأعلى)، القاضية رولا الحسيني، وهي شيعية لكنها مسماة من فريق العهد، ولم يؤخذ برأي الثنائي الشيعي ‏‏(حركة أمل وحزب الله) عند تسميتها‏‎.‎
وأوضح مصدر في مجلس القضاء الأعلى لـ«الشرق الأوسط»، أن «الإمعان في تفكيك مجلس القضاء الأعلى وشله كلياً يقوض مسار ‏العدالة في لبنان». وتحدث عن «خيارات متعددة قيد الدرس حالياً تهدف إلى تأمين استمرارية مرفق العدالة»، مشيراً إلى أن «الرئيس ‏الأول (القاضي سهيل عبود) يدرس الخيارات التي تتيح له تسيير المرفق القضائي، أقله بالقرارات الإدارية الروتينية‎».‎

ورفض رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب أول من أمس، توقيع المرسوم المقدم من وزيرة العدل لتعيين أربعة قضاة من ‏محاكم البداية والاستئناف أعضاء في مجلس القضاء الأعلى، معللاً ذلك بأن تصريف الأعمال يبقى في الإطار الضيق، ولا يمكن ‏لحكومة مستقيلة إصدار المراسيم. فيما خالفت مصادر وزارة العدل هذا الرأي وأوضحت لـ«الشرق الأوسط»، أن مرسوم التعيينات ‏بمجلس القضاء «يعد من القضايا الملحة التي تستوجب السير بها حتى لا يتعطل المرفق القضائي». ورداً على الاتهامات التي توجه ‏إلى الوزيرة نجم بأنها «اختارت أربعة قضاة محسوبين على العهد وفريقه، من أجل فرملة قرارات مجلس القضاء الأعلى التي تصدر ‏بغالبية سبع أعضاء من أصل عشرة». شددت المصادر على أن «تلك الاتهامات سخيفة ولا تستأهل الرد أو التعليق‎».‎

‎ ‎

من جهته، اعتبر رئيس مجلس القضاء الأعلى السابق القاضي غالب غانم، أن القضاء اللبناني «يقف على مشارف مرحلة هي الأخطر ‏في تاريخه». وقال في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «الهجمة المستمرة على القضاء تهدف إلى إخضاعه وتطويعه لصالح القوى ‏السياسية المتناحرة، وهذا للأسف يلاقي قبولاً لدى بعض القضاة الذين يتناغمون مع القوى المذكورة». وشدد القاضي غالب غانم على ‏أن «الاعتبارات السياسية والشعبوية عطلت التشكيلات القضائية قبل سنة، وهي نفسها التي تعطل تعيين أعضاء في مجلس القضاء ‏الأعلى»، معتبراً أن «الشغور المؤقت في مجلس القضاء الأعلى قد لا يشكل خطراً استراتيجياً، بل الخطر يتجلى في استهداف مجلس ‏القضاء وما يمثل كرأس للسلطة القضائية وساهر على مسيرة العدالة في لبنان‎».‎