
سوبر ماركت
في لبنان، يكفي أن ترتفع أسعار المحروقات حتى تتسابق الأسواق إلى رفع أسعار السلع الاستهلاكية، فيما يغيب أي انعكاس مماثل عند تراجعها. معادلة باتت ثابتة في اقتصاد يفتقر إلى الرقابة الفاعلة، فتتحول كل زيادة إلى عبء إضافي على المواطن، بينما يبقى انخفاض الأسعار مجرّد رقم على جدول المحروقات.
يوضح نقيب أصحاب محطات المحروقات جورج البراكس لـ “نداء الوطن”، أن “التاريخ يعيد نفسه، إذ اعتدنا أن ينعكس أي ارتفاع في أسعار النفط في الأسواق العالمية مباشرة على أسعار المحروقات في لبنان، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى ارتفاع أسعار مختلف السلع الاستهلاكية”.
غير أن البراكس توقف عند ما وصفه بـ “المفارقة”، موضحًا أن “أسعار المحروقات ارتفعت قبل نحو شهرين، فبادرت الأسواق إلى رفع أسعار السلع الاستهلاكية كافة. إلا أن هذه السلع لم تتراجع أسعارها عندما انخفضت أسعار المحروقات لاحقًا”.
وأشار إلى أنه “في 25 أيار الفائت بلغ سعر صفيحة البنزين مليونين و585 ألف ليرة، قبل أن يتراجع إلى نحو مليونين و200 ألف ليرة، لكن أسعار السلع بقيت على حالها، فيما عادت اليوم إلى الارتفاع مجددًا بالتزامن مع الزيادة الأخيرة على أسعار المحروقات”. ووصف هذا الواقع بأنه “مفارقة عجيبة وغريبة، إذ تتوالى الزيادات على الأسعار مرة تلو الأخرى، من دون أي انعكاس للانخفاضات السابقة”.
وشدّد البراكس على أن “أصحاب محطات المحروقات يلتزمون بجدول تركيب الأسعار الرسمي، في حين تنعكس أي زيادة في أسعار المحروقات بأضعافها على أسعار السلع الاستهلاكية، التي ترتفع مع كل زيادة، لكنها لا تتأثر إطلاقاً عند تراجع الأسعار”.
وضرب مثالا على ذلك قائلا: “إذا افترضنا أن سعر سلعة استهلاكية، كالقهوة مثلا، كان نحو 7 دولارات، ثم ارتفع مع زيادة أسعار المحروقات إلى 8.5 دولارات، فإنه لم ينخفض عندما تراجعت أسعار المحروقات، بل بقي على حاله، ليعاود الارتفاع اليوم إلى نحو 10 دولارات مع الزيادة الجديدة في أسعار المحروقات”.
“تقاعس”
حمّل البراكس الدولة والأجهزة الرقابية مسؤولية هذا الواقع، معتبرًا أن “تقاعس الرقابة يسمح باستمرار الارتفاعات غير المبررة في أسعار السلع، رغم تراجع كلفة أحد أبرز عناصرها”.
ويتقاطع كلام البراكس مع تحذيرات جمعية المستهلك من استمرار موجة الغلاء، إذ سجل مؤشر أسعار الجمعية خلال النصف الأول من عام 2026 ارتفاعًا بنسبة 19.05 %، شمل 140 سلعة وخدمة أساسية. وأشارت الجمعية في بيانٍ لها أمس الجمعة إلى أن “هذه النسبة تفوق ضعف مؤشر إدارة الإحصاء المركزي”، معتبرة أن “التضخم يطاول بشكل مباشر القوت اليومي والخدمات الحيوية للأسر اللبنانية، ولا سيما الفئات الفقيرة والمتوسطة”.
وعزت الجمعية هذا الارتفاع بشكل أساسي إلى “القفزة في أسعار النفط والطاقة عالميًا وإقليميًا”، محذرة من أن “غياب الرقابة الفاعلة والإجراءات الحكومية يزيد من أعباء المعيشة ويترك المستهلك في مواجهة الزيادات المتلاحقة”.
الأزمة عالمية… لا محلية
وفي سياق آخر، طمأن البراكس إلى أن “لا داعي للهلع، إذ لايواجه لبنان حاليًا أزمة محروقات، والكميات المتوافرة كافية لتلبية حاجات السوق المحلية”.وأوضح أن “الأزمة الفعلية تقتصر على الأسواق العالمية، نتيجة التطورات الجيوسياسية، ولا سيما الحرب بين روسيا وأوكرانيا، والتوترات في الخليج العربي ومضيق هرمز، فضلا عن التهديدات بإمكان إغلاق باب المندب، وهي عوامل تضغط على أسواق الطاقة العالمية، من دون أن تؤثر حالياً في توافر المحروقات في لبنان”.
عمولة تتآكل
في مقابل الاتهامات التي تُوجَّه إلى أصحاب محطات المحروقات بتحقيق أرباح كبيرة مع كل تعديل في الأسعار، أكد البراكس أن “الواقع مغاير تمامًا”، مشددًا على أن “عمولة صاحب المحطة لا تزال ثابتة عند 179 ألف ليرة عن كل صفيحة بنزين، من دون أي تعديل يواكب الارتفاع المتواصل في كلفة التشغيل”.
وأوضح أن “هذه العمولة باتت تتآكل بفعل الزيادات المتلاحقة في أسعار السلع الاستهلاكية، وارتفاع كلفة مادة المازوت اللازمة لتأمين الكهرباء عبر المولدات الخاصة، فضلا عن الرسوم والضرائب المفروضة على العمال الأجانب، والتي ترفع كلفة العامل الواحد إلى نحو 12 مليون ليرة شهرياً، من دون احتساب راتبه”.
واعتبر البراكس أن هذه “المعطيات أدت إلى “تبخرّ” عمولة أصحاب المحطات، بعدما التهمتها النفقات التشغيلية المتزايدة، ما ألحق بهم خسائر فادحة، في وقت لا يزالون يُتهمون بتحقيق أرباح وهمية مع كل ارتفاع في أسعار المحروقات”.
بين تقلبّات أسعار النفط عالميًا، وواقع السوق المحلية، تبقى الأزمة الفعلية في غياب التوازن بين الارتفاع والانخفاض. فكل زيادة تجد طريقها سريعًا إلى الأسعار، فيما يبقى تراجع الكلفة بلا أثر ملموس على فاتورة المستهلك، في مشهد بات مألوفًا في السوق اللبنانية.