السبت 16 جمادى الأولى 1444 ﻫ - 10 ديسمبر 2022 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

الملف اللبناني الشائك: أي دور لفرنسا؟

مجيد مطر - نداء الوطن
A A A
طباعة المقال

بعد زيارة رئيس التيار الوطنيّ الحرّ النائب جبران باسيل إلى فرنسا لاكتشاف مسار الانتخابات الرئاسية، يجوز السؤال عن الدور ‏الفرنسي في لبنان ومدى تأثيره محلياً: هل يملك الفرنسيون الأدوات اللازمة لتفعيل ذلك الدور؟ أم هو مجرّد «نوستالجيا» إلى الماضي ‏الذي تخطّته الأحداث الجيوسياسية في المنطقة؟

لا خلاف حول أن فرنسا تملك القدرة على المبادرة في لبنان، على غرار ما حدث بعد انفجار مرفأ بيروت حين حضر الرئيس الفرنسي ‏ايمانويل ماكرون شخصياً إلى بيروت، للمجاهرة بأنّ «الأم الحنون» تقف إلى جانب «الابن الضال»، وأنّ عقوقه لا يلغي حرص الأم ‏على هذا البلد العجيب‎.‎

فانبرى حينها الرئيس الفرنسي إلى تقديم مبادرة سياسية أعادت الروح إلى السلطة المشكو منها شعبياً، فسلّمها مجدداً زمام الأمور، ‏لدرجة أنّ المسؤولين في لبنان أطاحوا بمبادرته، وتلاعبوا بها، فآلت للفشل. خُذِلَ الفرنسيون بعدما جوبهوا برفض التيار الوطنيّ الحرّ ‏مدعوماً من حزب الله، ودفعوا الرئيس سعد الحريري إلى العزوف عن التأليف الحكومي‎.‎

هكذا لفظت مبادرة ماكرون أنفاسها الأخيرة، لتكشف عن واقع أليم، لا يريد الفرنسيون الاعتراف به: تراجع تأثيرهم في لبنان لصالح ‏لاعبين آخرين! وقد تبيّن لاحقاً أنّ الرئيس الفرنسي قد بالغ بتقدير نفسه وتقدير موقع بلاده، التي تبحث عن مؤثّرين معروفين، ‏لتتواصل معهم، علّها تحفظ ماء وجهها أمام الفرنسيين والعالم‎.‎

فبعد عزوف الحريري كُلِفَ الرئيس نجيب ميقاتي، وسُهّل له تشكيل حكومته، وذلك بعد تفاهم رئاسي إيراني- فرنسي، ليظهر بوضوح ‏أنّ ايران في لبنان دولة عظمى، وأنّ فرنسا مجرد لاعب بحاجة لآخرين على الساحة اللبنانية‎.‎

حتى الرئيس السابق ميشال عون، الذي لجأ إلى سفارتها، فأنقذته من مصير محتوم، بعد هزيمته المدوّية في 13 تشرين من العام ‏‏1990، وإعلان استسلامه عبر بثّ إذاعي، بدا بإسقاطه المبادرة الفرنسية كمن يقدّم الدور الإيراني، ويعطيه الأولوية على حساب ‏الدور الفرنسي، لإدراكه أنّه لا يستطيع أن يحكم بلا رضى حزب الله، وأن طموح صهره الرئاسي لا يتحقّق خارج المنظومة الإيرانية ‏في لبنان‎.‎

فبدا العونيون، ومنهم من يحمل الجنسية الفرنسية، أنهم ناكرو الجميل، وأنّ مصالحهم وجشعهم لتحصيل قطعة من جبنة المحاصصة، ‏تتغلّب على المبادئ والقيم. فساهموا بجعل التأثير الإيراني أساسياً، والدور الفرنسي ثانوياً. أمّا عن دورهم في تشتيت المصلحة الوطنية ‏اللبنانية، فحدّث ولا حرج‎.‎

وما دلّ على تراجع الدور الفرنسي في لبنان أيضاً، عجز المسؤولين الفرنسيين أنفسهم عن تنفيذ تهديداتهم بفرض عقوبات على ‏المعرقلين لتشكيل الحكومة آنذاك، وقبلوا بالتأثير الإيراني الذي يستند إلى هيمنة وتفوق الحليف اللبناني الذي لا يتصرف، إلّا بهدى ‏ولاية الفقيه‎.‎

ففرنسا التي كان لها اليد الطولى في تأسيس الكيان اللبناني، والتي تعي أهميته الجغرافية على الساحل الشرقي للمتوسط، لمواجهة النفوذ ‏البريطاني، خسرت نفوذها بعد الحرب العالمية الثانية، ولم يبق لها إلّا التأثير العاطفي والثقافي إلى حدٍّ ما‏‎.‎

فقد حصّل بشارة الخوري ورياض الصلح الاستقلال من فرنسا بدعم خارجي، بريطاني بالتحديد، ثم جاء انتخاب كميل شمعون ‏المرفوض فرنسياً، فعادوا وقبلوا به راضخين للأمر الواقع. كذلك جاء انتخاب فؤاد شهاب برضى مصري – أميركي، وقس على ذلك ‏إلى يومنا هذا‎.‎

وتجدر الإشارة إلى أنّ الدور الفرنسي بعد التمديد للرئيس إميل لحود، قد عاد قوياً لأسباب معروفة، أوّلها رفض إدارة الرئيس بوش تلك ‏الخطوة، توتر العلاقة مع دمشق، علاقات الرئيس رفيق الحريري الدولية، إهتمام الرئيس جاك شيراك شخصياً بالملف اللبناني، ‏صداقته القوية بالرئيس الشهيد. كل تلك العوامل شكّلت روافد جدية في عودة التأثير الفرنسي. ثم ما لبث أن عاد إلى الخفوت بعد ‏وصول الرئيس باراك أوباما إلى الرئاسة الأميركية الذي رسم سياسة خارجية تتيح لإيران التفرّد بالهيمنة على لبنان والعراق، تُرجم ‏ذلك بوصول ميشال عون إلى الرئاسة، فحدثت تحوّلات سياسية خطيرة، عزلت لبنان عن محيطه العربي، وفرّطت بعلاقاته الخارجية، ‏وشوّهت صورته التاريخية لدى أصدقائه الدوليين‎.‎

صحيح أنّ شركة «توتال» قد حازت ترخيص التنقيب عن الغاز في المياه اللبنانية، وصحيح أيضاً أنّ فرنسا قد أدّت دوراً في تقريب ‏وجهات النظر بين مختلف الأفرقاء، إنّما هذا ما كان ليتم لولا ضرورات الحرب الروسية- الأوكرانية، فوصل ملف الترسيم إلى ‏خواتيمه المرضية من دون أن ينعكس بالضرورة اتساعاً في دائرة التأثير الفرنسي في الملف الرئاسي، خصوصاً أنّ الأميركي موجود، ‏كما الإيراني والسعودي‎.‎

فإذا وضعنا الولايات المتحدة جانباً كون مصالحها محفوظة، تحديداً من الإيراني، يبقى القول إنّ الدور الفرنسي يتأرجح بين عاملين، ‏الأول سياسي تمثّله إيران من خلال حليفها المسلّح، والثاني اقتصادي تمثله السعودية القادرة منفردة إذا أرادت أن تخرج لبنان من ‏أزمته الاقتصادية، إنّما لن تقوم بهذه الخطوة من دون وضوح الأفق السياسي الذي يشير إلى عودة لبنان إلى اللحضن العربي‎.‎

ومن دون التقاء هذين العاملين، لا قدرة لفرنسا على إيجاد الحلول. وبين هذه الحدّين مطلوب من الفرنسيين خفض توقّعاتهم، فحلّ الملف ‏اللبناني الشائك، يتجاوز قدرتهم المنفردة‎.‎