الأثنين 30 صفر 1444 ﻫ - 26 سبتمبر 2022 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

بعد إقرار الموازنة... ماذا سيحدث؟‏

علي زين الدين - الشرق الأوسط
A A A
طباعة المقال

تتوقع الحكومة اللبنانية أن يحقق تشريع الموازنة العامة من قبل ‏المجلس النيابي أواخر الأسبوع المقبل، بعد تأخير لنحو 10 أشهر عن ‏موعدها الدستوري، عدة أهداف مترابطة وحيوية تبدأ بإعادة الانتظام ‏النسبي إلى إدارة المالية العامة، وتلبية مطالب حيوية للعاملين في ‏مؤسسات القطاع العام من مدنيين وعسكريين، فضلاً عن الاستجابة ‏لواحد من أهم الشروط الخمسة المطلوبة للتوصل إلى الاتفاقية النهائية ‏مع صندوق النقد الدولي.‏

لكن ما تتوخاه الحكومة من إعادة وضع الملفات الاقتصادية الحيوية ‏على مسارات التقدم تنفيذياً وتشريعياً، لا يزال، وفقاً لمصادر سياسية ‏واقتصادية، عالقاً في شبكة الاستحقاقات الدستورية الداهمة، في ‏مقدمها دخول البلاد في مهلة انتخاب رئيس جديد للجمهورية، ‏واستمرار احتدام الاجتهادات القانونية والسياسية ذات الصلة بوضعية ‏الحكومة عينها، مما ينذر بمراوحة طويلة الأمد تبقي الانعكاسات ‏المتوقعة لإقرار الموازنة العامة في نطاقها التقني البحت لجهة تسيير ‏الأمور المالية للدولة ومؤسساتها.‏

ويشير مسؤول اقتصادي تواصلت معه «الشرق الأوسط»، إلى أن ‏طريق استعادة التوازن المالي طويل وشاق، وهو واقعياً مرهون ‏بإنضاج خطة إنقاذ نهائية تحظى بتوافق المكونات السياسية ‏والاقتصادية والمجتمعية، إنما يمكن استعادة الانتظام القانوني عبر ‏إقرار الموازنة، مع التنويه إلى أسبقية حسم تحديد سعر صرف العملة ‏الوطنية في تقديرات إنفاق الموارد التي سيتضمنها مشروع قانون ‏الموازنة بصيغته النهائية التي سيقرها مجلس النواب.‏

ويشير إلى أنه بموجب الاقتراح الذي سيجري اعتماده لسعري الليرة ‏والدولار الجمركي، ستتبين مدى قدرة الاقتصاد المنهك بمعظم ‏قطاعاته ومؤسساته على التفاعل مع التعديلات الجوهرية التي ستطرأ ‏على منظومة الضرائب والرسوم الجديدة، علماً بأنه يتعذر تماماً ‏التطابق مع سعر الدولار الواقعي الذي يتعدى حالياً عتبة 35 ألف ‏ليرة، فيما يرجح اعتماد سعر متدرج لدولار الاستيراد (الجمركي) ‏انطلاقاً من 12 أو14 ألف ليرة.‏

وإذ يؤمل أن يفتح إقرار مشروع قانون الموازنة الأبواب الموصدة ‏أمام حزمة الشروط العالقة التي وردت بمثابة التزامات حكومية ‏ومحددة المهل الزمنية في الاتفاق الأولي الذي تم إبرامه مع بعثة ‏الصندوق أوائل نيسان الماضي، فإن الشكوك تبقى مرتفعة في ‏الأوساط الاقتصادية والمالية، ربطاً بملاحظات جوهرية أوردتها ‏المؤسسة الدولية بشأن قانون السرية المصرفية الذي رده رئيس ‏الجمهورية إلى مجلس النواب، وبالعراقيل المتزايدة التي تحول دون ‏إقرار وضع ضوابط استثنائية على التحويلات والرساميل (كابيتال ‏كونترول)، والتمادي بتأخير إعداد الصيغة النهائية لإعادة هيكلة ‏القطاع المصرفي، فضلاً عن انتظار نتائج التدقيق بميزانية البنك ‏المركزي، بالإضافة إلى شروط أخرى تتعلق بإنتاجية القطاع العام ‏وضبط الحدود.‏

وريثما تتضح مواقف الكتل النيابية من الصيغة النهائية لمشروع ‏القانون الذي سيتم «تشريحه» في الجلسات الماراثونية لثلاثة أيام ‏متتالية منتصف الشهر الحالي، اعتبر وزير المالية في حكومة ‏تصريف الأعمال يوسف الخليل، أن تحديد الجلسات من قبل رئيس ‏مجلس النواب نبيه بري، هو «دليل حرصٍ على إقرار سلسلة القوانين ‏الإصلاحية، التي وحدها القادرة أن تنتشل لبنان من شفير الانهيار»، ‏مؤكداً «أن إقرار الموازنة هو العامل المحرك للجمود الذي يكبل ‏المالية العامة بمواردها وإنفاقها، وإقرارها سيحقق الجزء الأهم من ‏المطالب الاجتماعية المحقة. كما يصبح ممكناً انتشال الجهاز الإداري ‏للدولة من ركوده واستعادة عافيته».‏
ولم يكن عابراً في السياق، تلميح وزير المال إلى العمل لكي تكون ‏موازنة 2023 التي يجري إعدادها، موازنة إصلاحية، بحيث تشكل ‏مدخلاً متقدماً لمسار التعافي المالي والاقتصادي، ولتحقيق نوعٍ من ‏الاستقرار قادر على إنعاش القطاعات الإنتاجية، وعلى جذب ‏الاستثمارات الخارجية وإعادة الثقة بلبنان. فهذا يعني، وفقاً لمصادر ‏معنية، ربط الإصلاحات المالية المنشودة بالخطة الإنقاذية الشاملة ‏التي وعد رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، بإدخال تعديلات مهمة عليها، ‏بعد توسع دائرة الاعتراضات النيابية والسياسية والاقتصادية على ‏بنود رئيسية في الخطة المسربة التي أقرتها الحكومة في آخر جلساتها ‏يوم 20 أيار الماضي.‏

ويتوقع، في ضوء إقرار الموازنة، أن يعمد رئيس الحكومة والفريق ‏الوزاري المعني بملف صندوق النقد إلى تسريع إعداد الصياغة ‏النهائية لخطة التعافي، على أمل استمرار الاستجابة التشريعية لتمرير ‏حزمة القوانين – الشروط، وضمن الوقت «المستقطع» الفاصل عن ‏الانخراط النيابي بالاستحقاق الرئاسي، حيث يتحول المجلس إلى هيئة ‏ناخبة في العشر الأخير من شهر تشرين الأول المقبل، الذي تنتهي ‏بنهايته ولاية الرئيس الحالي.‏
وفيما تكمن المشكلة الأساسية في توزيع أحمال الفجوة المالية المقدرة ‏بنحو 75 مليار دولار، تقر الحكومة بأن التخلف عن سداد الديون ‏السيادية في ربيع عام 2020 جاء نتيجة سياسات مالية غير منتظمة ‏على مدى سنوات عديدة، في حين أن الخسائر الضخمة التي تكبدها ‏مصرف لبنان هي نتيجة قيامه بعمليات مالية هدفت إلى جذب تدفقات ‏رأس المال للحفاظ على سعر الصرف الثابت والمبالغ في قيمته ‏ولتمويل العجز في الموازنة.‏

وبرز في هذا الإطار، الإعلان رسمياً من قبل رئيس الهيئات ‏الاقتصادية محمد شقير، عن إنجاز خطة تعافٍ متوازنة تنطلق من ‏هدف أساسي، وهو إنماء الاقتصاد، وتستجيب الخطة لمتطلبات ‏صندوق النقد الدولي، كما تحافظ على حقوق المودعين وتحمل ‏المصارف المسؤولية مع عدم دفع القطاع نحو الإفلاس.‏

كما ترى جمعية المصارف بلسان أمينها العام فادي خلف، أن «تحميل ‏القطاع المصرفي خسائر لا يتحمل مسؤوليتها، فيه ظلم للمودعين ‏وللمصارف في آن معاً»، لا سيما بعد تأكيدات حاكم مصرف لبنان ‏رياض سلامة، أن الدولة سحبت نحو 62.67 مليار دولار من أموال ‏المودعين لتغطية نفقات ومصاريف ودعم سعر الليرة. وبالتالي، فإن ‏تحميل القطاع أكثر من طاقته، يعني إفلاسه بكامله وعندها لا تعود ‏تنفع إعادة الهيكلة.‏
كما أكد أن عبارة «شطب الودائع عبارة يجب أن تمحى من القاموس ‏اللبناني وتستبدل بعبارة استعادة الودائع ولو بعد حين».‏