الثلاثاء 11 محرم 1444 ﻫ - 9 أغسطس 2022 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

بيروت ما بتموت... والعدالة آتية!‏

نوال نصر - نداء الوطن
A A A
طباعة المقال

‏”بيروت ما بتموت”. نحاول أن نصدّق. ننظر في العيون. ننظر في العمق، نغوص في المشاعر، ننظر الى الأجسام، التي تتلوّى يميناً ‏ويساراً تحت حرّ آب اللهّاب. نتمعّن في كل “الأرواح” التي تتحدّى كل الظروف وتمشي قوافل قوافل منادية بأعلى صوت: “بدنا ‏العدالة”. فنشعر بكمِّ البؤس المقرون ببعض الأمل ببعض الرجاء. لكن هل يُرتجى مطر بغير سحاب؟ غيوم غليظة، شديدة، تسدّ أفق ‏الشمس. تلمع عيوننا. ترتجف قلوبنا. فنُدرك أننا في كماشة، في قبضة “الدولة القاتلة”، وحين تقتل الدولة أبناءها لا يعود يُرتجى منها ‏عدالة. ويُصبح من العدل القول لها: إرحلي… إرحلي… لكن على من يقرأ البؤساء مزاميرهم في دولة صمّاء بكماء خرساء عن أفعالِها ‏المشينة؟ هو الرابع من آب. هو ثالث رابع آب يأتي والدماء لم تنشف، لن تنشف، كما الوجع الهائل. فهل دخلنا مع “الدولة القاتلة” في ‏‏”كوما” أم ما زلنا قادرين أن نتحرّك بأنفاسِنا الأخيرة؟ نتذكّر مقولة علي بن ابي طالب: من رجا شيئاً طلبه ومن خاف شيئاً هرب منه. ‏نحن لم نهرب، لن نهرب، وسنطالب من جديد: “بدنا العدالة”.‏

صور وشعاراتفوج الأطفاء هنا. هنا كان الشباب والصبيّة سحر فارس يتنفسون أحلاماً قبل عامين، قبل 730 يوماً، قبل أن يهبوا ‏بنخوتهم الإستثنائية لإخماد حريق أكبر منهم ومن بيروت ومن لبنان. هو حريق بحجم مشيئة القتلة أرادوا ببطولتهم وشهامتهم ‏وشجاعتهم إخماده. ظنّ هؤلاء أن الدولة، مهما خذلت ناسها، لن تجرؤ على قتلهم. أخطأوا فباتوا ضحايا. إرتاحوا؟ ربما هم ارتاحوا أما ‏نحن فلا. نحن نحيا بقلوبٍ لم ترتح ولن ترتاح لأن “الراحة إذا طالت تولد الكسل والجهد إذا زاد يولد الثورة”. وهذا ما نحتاج إليه الآن: ‏الثورة.‏

نقف أمام الأهراءات قبل أن تزدحم الصور في بؤبؤ العين. هنا كانت الطيور والعصافير قبل أسبوع وشهر وعام وعامين تقتات من بقايا ‏مستوعبات مملوءة بأكياس القمح والطحين الممزقة. لا طيور وعصافير اليوم. لا تتعجبوا من عصفور يهرب حتى من الطعام، فالطيور ‏تؤمن بأن الحياة والحرية أغلى من القمح. وهذا المكان، ذاك المكان، أصبح مليئا بالموت والنزف المستمر. نراقب الأهراءات- الذاكرة. ‏تبدلت كثيرا. لم تسأل عنها الدولة. لم تسأل عن الحجر كما لم تسأل عن البشر.‏

تزامن الإنهيار والذكرى

ننظر كثيراً نحو الصوامع. هي تتبدل يومياً. إختلف شكلها كثيراً في آخر أسبوعين. هي التي شلعها تفجير 4 آب 2020 تبدو في 4 آب ‏‏2022 وكأنها تستعدّ لممارسة لعبة الإنتقام مجدداً بحقِّ الأهالي، وكأنها تريد أن تقول هي أيضاً: دولتي فعلت بي ذلك! فهل هي ‏مصادفة أن يتزامن فعل الإنهيار الجديد مع فعل التفجير؟ نطرح أسئلة لا اجوبة “رسمية” عليها. نطرح الأسئلة ونحن نراقب الصوامع ‏ونعدها: واحدة، إثنتان، ثلاث… لسنا وحدنا من نفعل ذلك. كثيرون أتوا البارحة ليستودعوا أهراءات القمح السلام. أهالي الضحايا كانوا ‏ينظرون إليها ويبكون. لا أحد، لا أحد أبدا سيدرك البعد الروحي لها لدى هؤلاء. ألا يقال: بدون الذاكرة لا توجد علاقة حقيقية مع ‏المكان؟ والكل، الكل، باتوا يعلمون أن “دولتنا” لا تريد لناسِها أن يحتفظوا بذاكرتهم. الذاكرة تخيف القاتل.‏

الحزن كبير. والتجمعات بدأت منذ ما بعد الظهر بقليل. أمام قصر العدل رفعوا صور الضحايا وعبارة: جريمتكم لن تمرّ. هنا، خلف ‏تلك الأسوار، تتكشف حقائق كبيرة كثيرة، هناك من يحاول – ويصرّ- على طمسها. في الموازاة، مسيرة ثانية تتحضر للإنطلاق من ‏أمام مقرّ فوج إطفاء بيروت. هناك مسيرة ثالثة إنطلقت من وسط بيروت. لكلِّ مكان وموقع رمزيته. هنا، في قلب بيروت، في الوسط، ‏علا صوت أغنيات ثورية لطالما صفق “الثائرون” لها. وارتفعت كذلك لافتة جديدة عليها صور شهداء 17 تشرين وعبارة: شهادتكم ‏دين برقبة كل ثائر. كرمالنا إستشهدوا كرمالن مكملين. شهداء 17 تشرين – لمن نسوا – هم: عيد عباس ومحمد شعبان وحسن العطار ‏وعمر زكريا وعلاء أبو فخر وأحمد توفيق وفواز السمان وعمر طيبا. يا الله كم أعطى لبنان شهداء وكم دفع أهله دماً وكم يسكبون ‏دموعاً لم تؤثر في دولة أشبه بتمساح. هي دولة تنظر الى كل تلك الدموع على أنها ليست دموعها وعلى كل تلك الدماء على أنها ليست ‏دماءها. هي دولة قتلت وتمشي في جنازات تكاد لا تنتهي.‏

نمشي بلا هوادة. نمشي ونمشي ونحن نراقب أهالي ضحايا المرفأ، من كل الأعمار، ممن أبوا أن يكلوا أو يملوا أو يتعبوا. تُرى من أين ‏يستمدون كل تلك القوة والعزيمة والإصرار؟ هم أشخاص خسروا كثيراً… خسروا “قطعاً” من قلوبهم… ومن يخسر كثيراً ويصمد لا ‏يعود يهاب شيئاً.‏

توابيت

محكمة دولية… لجنة تقصي حقائق دولية… عدالة… عناوين عناوين تكررت البارحة، في 4 آب 2022، من جديد. محطات عديدة ‏توقف فيها أهالي الضحايا البارحة. توقفوا أمام السفارة الفرنسية. طالبوا فرنسا بتقديم طلب أمام مجلس حقوق الإنسان لتشكيل لجنة ‏تقصي حقائق دولية. وذكروا ماكرون انه لم يف بوعوده. فرنسا أمنا الحنون خذلت كل هؤلاء. توقف الأهالي في حديقة سمير قصير ‏وأمام مجلس النواب وأمام تمثال المغترب أيضاً وأيضاً. توابيت رفعت وقسمٌ جديد أعلنوه: المطلوب عدالة بحجم الكارثة. ذكروا الدولة: ‏كل يوم 4 آب. وقالوا للعالم: تقفون الى جانبنا أو سترون أحبابكم أيضا في التوابيت. فلنقف معا ونطالب بالعدالة لنحدّ من شلال ‏الموت… كلام وتفاصيل ومحطات ومشهديات رمزية وحتى “حبال هواء” يحاول “الموجوعون” التمسك بها في وجه “سلطة” كل ما ‏تقوم به حدوده: إعاقة العدالة.‏

‏”لا عدالة في ظل حكم الميليشيا والمافيا”. شعارات ونار في القلوب تشتعل. الحرّ يشتدّ. الحرارة لامست الأربعين درجة. وأعداد ‏المشاركين تزيد. هي الساعة الخامسة إلا عشر دقائق. إنها الخامسة إلا عشر دقائق من يوم الخميس 4 آب 2022. ها هي الأهراءات ‏تتهاوى على دفعات. الحجارة تتساقط وحصل الإنهيار. إنه إنهيار صومعتين جديدتين من الجزء الشمالي. يا الله. هل هي مصادفة؟ هل ‏تحدث في الحقيقة مصادفات من هذا النوع؟ دموع أمهات ذرفت. بكينَ على فلذات أكبادهنّ من جديد. ثانية وثالثة ورابعة… سقوط ‏الصومعتين، في هذه اللحظة الزمنية بالذات، فتحت الجروح والندوب. في تلك الأثناء مرّت، ربما بالصدفة أيضا، يافطة كتب عليها ‏بأقلام ملونة: حافظوا على أهراءات مرفأ بيروت.‏

لتسقط الحصانات

الضحايا في صور. صور الضحايا علقت على الأعمدة على طول اوتوستراد الدورة الكرنتينا مذيلة صورهم بثلاثة هاشتاغات: #العدالة ‏‏#طالب #تحرّك. مشانق في كل مكان. “تسقط الحصانات أمام المحاسبة”. شعار. علم لبناني ملطخ بالدم القاني. تي شيرتات ملطخة ‏بالدم. 4 آب “جرح مفتوح” قالوها مرة ومرتين وعشرات المرات. 232 جرحاً مفتوحاً. عدد الضحايا يزيد ويزيد وهم، من كانوا (وما ‏زالوا) يمسكون بالبلاد والرقاب، يراهنون أن ننسى ما فعلوه. “أيها السياسيون إرحلوا”. شعار لا بُدّ أن يكون قد وصل الى آذان أصحابها ‏بلا دم.‏

ثلاث ساعات مرّت بين الإنطلاقة والوصول الى موقعة الإنفجار. نوابٌ شاركوا. الساعة تدنو من السادسة وعشر دقائق. غبار سقوط ‏الصومعتين إختفى. الطواقم الطبية مستنفرة حزناً. صفارات فوج إطفاء بيروت والدفاع المدني إرتفعت أصواتها. إنها السادسة وسبع ‏دقائق. سكون خيّم. أجراس كنائس وصوت أذان. ورؤوس وأكف مرفوعة نحو السماء: ياااا رب. هي الذكرى الثانية. هو ثالث 4 آب. ‏وكأننا ما زلنا في تلك اللحظة. رائحة الدماء ما زالت قوية. والغضب يستمر كبيراً كبيراً. شموع أشعلت. وقسمٌ بدماء الضحايا الى أن ‏يدق النفير ويعلن أسم المفجّر الحيوان الحقير: أن نقاتل أن نناضل أن نواجه…‏

إنتهى 4 آب 2022 فهل ستتكرر في 4 آب 2023 نفس المشهدية؟ الغضب كبير لكنه ما زال أقل مما هو مطلوب- ولازم- لثورة ‏حقيقية لا تتوقف في نصف الطريق. قتلوا الثوار؟ نجحوا في قتل ثوار كثيرين لكنهم لن يستطيعوا، في نهاية المطاف، قتل الثورة.‏