
دخان يتصاعد عقب غارة جوية إسرائيلية في جنوب لبنان. رويترز
يتواصل التوظيف الإيراني المتصاعد للساحة اللبنانية، إذ ذهبت طهران إلى اعتبار أن إرجاء اللقاء المرتقب في سويسرا جاء نتيجة التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان، رغم أن لا واشنطن ولا سويسرا أكّدتا هذا الربط.
في المقابل، بدا وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ عند الساعة الرابعة بعد ظهر أمس هشّاً منذ لحظاته الأولى، بعد مواجهات عنيفة اندلعت بين القوات الإسرائيلية وعناصر من حزب الله منذ ليل الخميس، إذ استمرت عمليات القصف والغارات جنوباً ولو بوتيرة أقل نسبياً.
وقد أسفرت المواجهات عن حصيلة بشرية ثقيلة في الجانب اللبناني بلغت 47 قتيلاً و97 جريحاً في الجنوب والبقاع، في وقت سُجّل فيه سقوط أكبر عدد من الجنود الإسرائيليين في يوم واحد منذ بداية الحرب الأخيرة، ما أعاد تسليط الضوء على الساحة اللبنانية باعتبارها نقطة تقاطع أساسية في تشابك عوامل تفجير التفاهمات المرتبطة بالمذكرة الأميركية–الإيرانية.
ويظهر التوظيف الإيراني للساحة اللبنانية، بحسب المعطيات، من خلال ربط طهران بين التصعيد في الجنوب وتأجيل اللقاءات الدولية، في حين جاء ذلك بالتوازي مع هجوم لحزب الله على القوات الإسرائيلية في الجنوب وسقوط قتلى وجرحى في صفوفها، ما يعكس استمرار الاشتباك الميداني بين الطرفين وانعكاسه على المسارات السياسية.
وفي ظل هذه التطورات، ومع ترجيح انهيار وقف النار الهش الذي تم التوصل إليه بجهد أميركي–قطري مشترك، تتجه الأنظار إلى جولة واشنطن التفاوضية المقبلة في المسار اللبناني–الإسرائيلي–الأميركي، والتي يُنظر إليها كنقطة ارتكاز لاختبار إمكانية توسيع الإجراءات التنفيذية، بما يشمل طرح مناطق تجريبية، وتعزيز الإطار السياسي للترتيبات الأمنية والعسكرية المحتملة.
وكانت الجبهة الجنوبية قد شهدت خلال الساعات الأخيرة تصعيداً واسعاً امتد إلى البقاع الغربي وصولاً إلى بعلبك، وأوقع عشرات القتلى والجرحى، فيما قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب لموقع “أكسيوس” إنه قادر على منع إسرائيل من مهاجمة لبنان، مؤكداً أن الأطراف “تحترمه وتلتزم بتوجيهاته”، ومشيراً إلى ضرورة الحفاظ على التوازن مع إسرائيل.
وفي تطور متصل، أعلن مسؤول أميركي كبير لوكالة “رويترز” أن إسرائيل وحزب الله اتفقا على وقف إطلاق النار بدءاً من الساعة الرابعة من بعد ظهر الجمعة، مشيراً إلى أن الاتفاق تم بوساطة أميركية وقطرية وبمساعدة إيرانية.
من جهتها، نقلت القناة 12 عن مسؤول إسرائيلي تأكيده بدء سريان وقف إطلاق النار مع الإبقاء على الوجود العسكري في “المنطقة الأمنية”، مع التهديد بالرد على أي هجوم.
في المقابل، قال عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب إبراهيم الموسوي إن الحزب سيلتزم بوقف إطلاق النار إذا التزمت به إسرائيل، مع التأكيد على حق الرد.
وفي الميدان، كشف المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي عن تنفيذ أكثر من 100 هدف ضد حزب الله خلال الساعات الأخيرة، مدعياً مقتل عشرات المسلحين، فيما وسّعت الغارات نطاقها لتصل إلى بعلبك، حيث استهدفت بلدة عين بورضاي ومزرعة في الجمالية، إضافة إلى غارات على الجنوب أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، وفق وزارة الصحة اللبنانية التي أعلنت حصيلة أولية بلغت 18 قتيلاً و33 جريحاً، مع تسجيل ضحايا في مناطق عدة بينها الدوير ودير الزهراني والريحان والنبطية، واستهداف مبنى تابع لحركة أمل في النبطية تسبب بتدميره بالكامل، ما أدى أيضاً إلى موجة نزوح نحو صيدا وبيروت.
وفي الجانب الإسرائيلي، أفادت وسائل إعلام بتعرض الكتيبة 52 من لواء 401 المدرع لكمين بصواريخ موجّهة في جنوب لبنان، أدى إلى مقتل أربعة جنود على الأقل وإصابة 17 آخرين بينهم حالات حرجة.
سياسياً، توعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو برد قاسٍ بعد مقتل جنود إسرائيليين، مؤكداً استمرار العمليات العسكرية في “المنطقة الأمنية”، فيما شدد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس على أن أي خرق لوقف إطلاق النار سيقابل برد قوي. أما وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير فذهب إلى حد الدعوة إلى “حرق لبنان بالكامل”.
وفي خضم هذه التطورات، تلقى رئيس الجمهورية جوزاف عون اتصالاً من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، جرى خلاله بحث الأوضاع في لبنان والمنطقة، حيث أكد روبيو دعم واشنطن للبنان ولتعزيز الأمن والاستقرار وبسط سلطة الدولة ودعم الجيش، فيما شدد الرئيس عون على ضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيلية والتوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار، معتبراً ذلك شرطاً أساسياً لإنجاح المفاوضات اللبنانية–الأميركية–الإسرائيلية المقررة في واشنطن الأسبوع المقبل، بهدف استعادة السيادة والأمن والاستقرار وسلامة الأراضي اللبنانية.