
علم لبنان وإيران
يدور في الكواليس اليوم نوع من القلق من محاولات انعاش للدور الايراني في لبنان على هامش الصفقة الاميركية الايرانية التي منحت “نظام الملالي” تسهيلات بخسة قوامها “تسييل” بعض المليارات التي استخدمت كطعم لجر النظام الى طاولة مفاوضات حدد سقفها الزمني ب 60 يوما…ومع وضع بنود “مذكرة التفاهم” الاميركية الايرانية موضع التنفيذ العملي انشغلت طهران بعملياتها الحسابية لتوزيع مليارات ستواجه صعوبات كبيرة في تحديد اولوياتها ، فالداخل الايراني غارق في ازمة اقتصادية خانقة، فيما تعاني بنيتها العسكرية من انهيار يتطلب ترميما في وقت يثقلها التزامها تجاه “حزب الله” ذراعها في لبنان، الذي لم يحظ من تفاهمها مع واشنطن سوى “وقف اطلاق نار” تخترقه اسرائيل يوميا وهو اليوم يمنن نفسه بمليار من غنيمة طهران الهزيلة.
يبدو اليوم ان طهران ستكون امام مفاضلة بين التزاماتها الداخلية وذراعها “حزب الله” المنهك عسكريا وماليا وهو يواجه بيئته النازحة التي عولت على “الانتصار الايراني” الذي ضخه وزير الخارجية الايراني عباس عراقجي عبر هاتفه النقال …باتصال اجراه مع “الاخ الاكبر” رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري الذي وجه له الشكر على تمرير لبنان ضمن بنود التفاهم. الاتصال اليتيم الذي اجراه عراقجي لم تدم بهجته، فالجنوبيون يريدون العودة الى قراهم وهو امر غير قابل للتحقق وهم عاينوا حجم الدمار الذي لا يمكن مقارنته بالجولات السابقة وآخرها عام 2006 ولا يمكنهم …”طرح الصوت” طلبا للمساعدة حتى من طهران لتنتشلهم ولو جزئيا مما اصابهم انتقاما لاغتيال المرشد علي الخامنئي. لقد قطع الرئيس الاميركي دونالد ترامب الطريق على اي محاولة لتسييل هذه الاموال في عروق “محور المقاومة” ان كان لدى طهران النية في ذلك، معلنا بوضوح “ان هذه الاصول ستبقى خاضعة لسيطرتنا الكاملة ولن تصرف كسيولة نقدية بل سيتم توجيهها حصريا الى مزارعينا ومربي الماشية لدينا لشراء الذرة والقمح وفول الصويا والمزيد لسد حاجة ايران الغذائية”. هذا الشرط الاميركي ، لا يمثل فقط صفعة لآمال الحزب المالية، بل يحكم الطوق حول رقبة طهران عبر معادلة الغذاء مقابل المسارات السياسية ، حارما اياها من توظيف هذه الاموال في اي جهد عسكري او تسليحي. فالعين الاميركية ترصد اي تدفق مالي من طهران لتنظيم “حزب الله” ولا يمكنه تأمينها من الشبكات المالية حول العالم التي تفككت ووصلت الى شبكته الداخلية في لبنان وعلى رأسها “القرض الحسن” الذي باتت تحاصره السلطات اللبنانية ولو لم بشكل خجول لا يرقى الى ما تصبو اليه الادارة الاميركية، يضاف اليها العقوبات على الشخصيات التي تغطي العمليات المالية لشبكات الحزب ومؤسساته.
رهان “حزب الله” الخاسر
في هذا التوقيت يبرز الحراك الدبلوماسي المكثف لوزير الخارجية الاميركي ماركو روبيو الذي يدير الدفة شخصيا في غرفة المفاوضات التي تجمع الوفدين اللبناني والاسرائيلي على طاولة واحدة للخروج بما عرف بورقة “اعلان نوايا” التي قد تشكل تحولا مهما يتقدم على ما اهدته طهران لذراعها في مذكرة التفاهم وستكون نتائجه رهن اليوم الاضافي الذي اعطي للجولة الخامسة. وبذلك سيكون لبنان امام محطة مفصلية فاما ان يخرج الدخان الابيض معلنا الانتقال الى مرحلة جديدة تثبت فيه الدولة اللبنانية انها سيدة على قرارها واما تعود الغيوم السوداء الى سماء الجنوب لتصل الى الضاحية الجنوبية.
يبدو من خلال هذه المعطيات الاتية من واشنطن والتي لا يبدو لطهران اي تحرك داخل اروقتها، ان الامر قد يكون ناتجا عن انكفاء جزئي عن خوض معارك التعطيل حفاظا على ما بدأت تحقيقه من مكتسبات ستنعكس بداية على وضعها الداخلي كأولوية. وفي هذا الوقت يستمر ذراعها بالاستثمار فيما اوهمته طهران بتحقيقه واعاد مؤخرا انعاشه قائد “فيلق القدس” اسماعيل قآني بضخ تصريح تهديدي لاسرائيل بقوله “إذا لم تنسحب إسرائيل طواعية من جنوب لبنان اليوم فستضطر للفرار مهزومة غدا”.
يتضح من خلال هذه المشهدية ان “حزب الله” يبدو وحيدا في الميدان، فما دام المسار الايراني مع واشنطن مستمرا دون تعقيدات كبرى سيظل “حزب الله” يتلقى الضربات الموجعة ولن يتحرك لمواجهة اسرائيل ما لم تمنحه طهران موافقة صريحة، وهو امر مستبعد كونها تريد مراكمة المكتسبات الهزيلة وامام هذا الواقع يطرح السؤال نفسه الى متى سيصمت “حزب الله” عن هذه الاستهدافات ولماذا يكتفي بردود فعل لا ترقى لحجم الخسائر. لقد باتت هذه التساؤلات تشغل بيئته الحاضنة فبعد ان اطمأن الجنوبيون الى امكانية عودتهم عادت الهواجس الى عقولهم التي اشبعت انتصارات ليتربع الحذر والتساؤلات حول المصير القادم، فالضمانات الايرانية توقفت عند حدود وقف اطلاق النار في وقت يقود الاميركي قطار التفاوض بسرعة تتقدم فيها على ما سيناقش في اللجان التي انشئت اثر توقيع مذكرة التفاهم مع طهران.
“حزب الله” يواجه الاستنزاف بصمت
في الخلاصة، يدرك كل الأطراف، أن ملف التفاوض الأميركي- الايراني لم يبلغ خواتيمه ، وبالتالي سيبقى مسار الملف اللبناني متأرجحاَ ،وأمام تحدي الميدان الذي تفرضه اسرائيل ولا يمكنه الاستناد على جرعات طهران المتقطعة ، التي لن تتحرك على خط جبهة “حزب الله” ، ما لم تواجه تعثراَ في مسارها التفاوضي ، وبذلك سيبقى جنوب لبنان رهينة الضربات الاسرائيلية الهادفة وفق المسؤولين العسكريين والسياسيين منع أي تغيير في المعادلة التي رسمتها لحين تنفيذ بند “نزع سلاح حزب الله” ومنعه من تشكيل تهديد لشمالها ، وقد تكون الصفقات الدولية مجرد استراحة في حرب طويلة ومفتوحة على كل الاحتمالات ، ما لم يتحقق اختراقا على صعيد الجولة التفاوضية الخامسة الموعودة ب”اعلان النوايا”.