
مرفأ بيروت- تعبيرية
ليست توسعة محطة الحاويات في مرفأ بيروت مجرد إضافة مساحات جديدة إلى منشأة بحرية، بل مشروع يمكن أن يعيد رسم موقع لبنان على خريطة التجارة في شرق المتوسط، إذا نجح في الانتقال من توسيع البنية التحتية إلى بناء منظومة لوجستية متكاملة قادرة على المنافسة.
في العاشر من أيلول 2026، وُضع حجر الأساس للمرحلة الثالثة والأكبر في تاريخ محطة الحاويات. المشروع سيرفع مساحة المحطة من 50 هكتارًا إلى أكثر من 75 هكتارًا، ويزيد قدرتها الاستيعابية السنوية من نحو 1.3 مليون إلى 3 ملايين حاوية نمطية بحلول عام 2028. وفي موازاة ذلك، تلتزم مجموعة “CMA CGM” باستثمار نحو 100 مليون دولار في أعمال التوسعة، في مؤشر مهم على عودة الاستثمار طويل الأمد إلى أحد أكثر المرافق الاستراتيجية في لبنان.
لكن أهمية المشروع لا تُقاس بالأرقام وحدها. فالمرفأ ليس مجرد نقطة دخول للبضائع إلى السوق اللبنانية؛ موقعه الجغرافي يمنحه القدرة، نظريًا، على استعادة دور أوسع في الترانزيت وإعادة التصدير والمسافنة وربط شرق المتوسط بأسواق المنطقة. وبالتالي، فإن رفع الطاقة الاستيعابية إلى ثلاثة ملايين حاوية يفتح الباب أمام نموذج اقتصادي مختلف، تكون فيه الخدمات اللوجستية والنقل والتخزين جزءًا من مصادر الدخل والنمو وفرص العمل، لا مجرد خدمات مرافقة للاستيراد.
وتأتي التوسعة بعد مؤشرات تشغيلية لافتة. ففي تموز 2025، سجل مرفأ بيروت نحو 100 ألف حاوية نمطية خلال شهر واحد، بارتفاع يقارب 39 في المئة عن الشهر نفسه من عام 2024، وهو أعلى مستوى شهري للمحطة منذ عام 2019. هذه الأرقام تعكس تحسنًا في النشاط، لكنها تكشف في الوقت نفسه حجم التحدي: فالقدرة على استقبال ثلاثة ملايين حاوية سنويًا شيء، والقدرة على جذب هذه الحركة والمحافظة عليها شيء آخر.
هنا تحديدًا يبدأ الامتحان الحقيقي. فمرافئ المنطقة لا تتنافس فقط بطول الأرصفة وعدد الرافعات، وإنما بسرعة التخليص الجمركي، وكلفة المناولة، وموثوقية الخدمات، والرقمنة، والأمن، ومدة بقاء الحاوية داخل المرفأ، وسهولة انتقال البضائع إلى الأسواق الداخلية والخارجية. ومن دون معالجة الاختناقات المرورية المحيطة بالمرفأ وتطوير شبكة النقل وربطه بمراكز التخزين والحدود، قد تبقى الزيادة في القدرة الاستيعابية أكبر من قدرة الاقتصاد على استثمارها.
ولهذا تكتسب الخطط المطروحة لتحسين الطرق المحيطة بالمرفأ وتعزيز التكامل بينه وبين النقل العام والبنية التحتية للعاصمة أهمية موازية للتوسعة نفسها. والمطلوب أبعد من ذلك: تحديث الجمارك، وتوسيع الخدمات الرقمية والنافذة الواحدة، وتعزيز الشفافية والحوكمة، ودراسة إعادة ربط المرفأ مستقبلا بشبكة سكك حديدية ومرافئ جافة، بما يخفض كلفة نقل البضائع ويمنح لبنان فرصة فعلية لاستعادة جزء من حركة الترانزيت الإقليمية.
أما البعد الذي لا يجوز أن يغيب، فهو أن أي مستقبل لمرفأ بيروت يجب أن يُبنى على دروس الرابع من آب 2020. فالتطوير والاستثمار لا ينفصلان عن السلامة والمحاسبة والإدارة الرشيدة. المرفأ الحديث ليس مرفأ أكبر فقط، بل مؤسسة تعمل وفق قواعد واضحة ومعايير أمن وسلامة صارمة، وتخضع للمساءلة.
من هنا، فإن مشروع التوسعة هو فرصة بقدر ما هو اختبار. فإذا اكتملت الأشغال بحلول 2028 بالتوازي مع إصلاح الإدارة والجمارك والنقل والبنية التحتية، يمكن لمرفأ بيروت أن يتحول من بوابة أساسية للاقتصاد اللبناني إلى عقدة لوجستية أكثر حضورًا في شرق المتوسط. أما إذا اقتصر التطوير على توسيع الساحات ورفع القدرة النظرية، فستبقى الفرصة ناقصة.
المعادلة إذًا واضحة: ثلاثة ملايين حاوية ليست الهدف بحد ذاته. الهدف الحقيقي هو استعادة موقع بيروت ودور لبنان في حركة التجارة الإقليمية. وفي بلد يبحث منذ سنوات عن محركات جديدة للنمو والثقة والاستثمار، قد يكون المرفأ أحد الأماكن التي تبدأ منها العودة.