الخميس 7 ربيع الأول 1448 ﻫ - 20 أغسطس 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

مواقف "أمل" تحوّل لبناني أم تمايز براغماتي؟

نداء الوطن
A A A
طباعة المقال

لم يكن خروج “حزب الله” من رحم حركة “أمل” ولادة طبيعية لوريث يشبه الأصل، فمنذ البدايات، كان ثمة اختلاف يتجاوز الأسماء والتنظيم إلى تعريف لبنان نفسه: حركة أسسها الإمام موسى الصدر على قاعدة رفع الحرمان والمشاركة في الدولة، في مقابل حزب أعلن في وثيقته السياسية الأولى عام 1985 انتماءه العقائدي إلى ولاية الفقيه، قبل أن يعيد لاحقًا صياغة خطابه السياسي من دون أن يسقط هذا الارتباط العقائدي.

والتاريخ بين الطرفين ليس دائمًا تاريخ “الثنائي”، قبل أن تجمعهما ضرورات الطائفة ومصالح السلطة، فرّقتهما حرب دامية ونظرتان مختلفتان إلى القرار الشيعي ودور لبنان. ثم جاءت مرحلة ما بعد 2005 لتجعل من “الثنائية الشيعية” عنوانًا سياسيًا شبه ثابت، جمع المصالح والتمثيل والنفوذ، من دون أن يلغي تمامًا ما تحت الطاولة.

لكن ما كان يقال همسًا بدأ يظهر أكثر. فمنذ حرب الإسناد وتداعياتها، يبدو أن رئيس مجلس النواب نبيه بري يعيد تموضعه داخل معادلة باتت مختلفة جذريًا. ليس الرجل وافدًا جديدًا إلى فن قراءة موازين القوى، بل لعلّه أكثر السياسيين اللبنانيين قدرة على معرفة اللحظة التي ينبغي فيها خفض السقف، وتلك التي يمكن فيها رفعه، والأهم معرفة متى يصبح الوقوف في منتصف الطريق أكثر خطورة من اختيار جهة السير.

مصادر مقربة من “الثنائي” الشيعي، وعلى احتكاك مباشر بين طرفيه، تقول لـ”نداء الوطن” إن الفارق بينهما بات يظهر أساسًا في “تعريف الدور وحدوده”. فـ”أمل”، وفق هذه المصادر، ترى أن بوصلتها يجب أن تبقى لبنانية، وأن إرث الإمام الصدر قام أساسًا على الانتقال من الحرمان إلى الدولة والمشاركة فيها، بينما ينطلق “حزب الله” من رؤية عقائدية واستراتيجية تربط موقعه اللبناني بمعادلة إقليمية أوسع وبولاية الفقيه.

والتمايز ظهر أيضًا تحت قبة البرلمان، في ملف العفو العام. وعلى الرغم من الألغام السياسية والطائفية التي زُرعت حول القانون، تعامل بري مع الملف بمنطق البحث عن تسوية قابلة للمرور، وكان قد أرجأ في أيار جلسة مخصصة له عندما ازداد الاحتقان، واضعًا “التوافق” عنوانًا للموعد التالي. وفي الجلسات التشريعية اللاحقة، بقيت “أمل” في قلب النقاش المؤسساتي حول الصيغة والتعديلات، بدل تحويل الخلاف إلى مواجهة خارج المجلس.

وتقول المصادر نفسها إن مقاربة “الحركة” تقوم على أن البرلمان ليس صندوق اقتراع فقط، بل مكان لصناعة التسويات، وإن معالجة ملف العفو يمكن أن تفتح بدورها باب تفاهمات أخرى، من بينها ملفات إعادة الإعمار. بالنسبة إلى “أمل”، بحسب المصادر، حماية الجنوب لا تنفصل عن حماية الدولة، والعمل السياسي لا يمكن أن يبقى أسير الشارع أو السلاح عندما تكون المؤسسات قادرة على إنتاج الحلول.

ولفتت إلى أن هناك “اليوم فريقًا داخل حركة “أمل” يُعتبر أقرب إلى إيران و “حزب الله”، وهم بمثابة ودائع، ويؤثر هذا الفريق في تحديد التمايز ووضع حدّ له عند كل استحقاق، ويقوده القيادي الذي أُضيف إلى لائحة العقوبات الأميركية “أ.ب”. ويُواجَه هذا الفريق داخليًا من فريق أكثر انفتاحًا، ينادي بالتمايز عن “الحزب” والعمل من أجل لبنان ومصلحة شعبه تحت مظلة الرئيس نبيه بري، والعودة إلى فكر الإمام موسى الصدر”.

وختمت المصادر بالقول: “ولو كنا على تواصل في ما بيننا، أي “الحزب” والحركة، إلّا أن الاختلاف حقيقي في عدد لا بأس به من الملفات، ولو كان الهدف احتواء الخلافات بالطرق المتاحة من خلال التواصل المباشر القائم وامتصاص التجاذبات عبر الإعلام”.

وفي هذا السياق، يكتسب موقف بري الأخير أمام وفد مجموعة العمل الأميركي من أجل لبنان دلالة إضافية. فقد أشار رئيس المجلس إلى أن “الولايات المتحدة الأميركية هي الدولة الوحيدة، والرئيس دونالد ترامب هو الوحيد القادر على إلزام إسرائيل بإنهاء حربها ووقف إطلاق النار والانسحاب إلى الحدود الدولية في الجنوب”. وهذا الموقف اعتراف ضمني بأن “حزب الله” غير قادر على فرض الانسحاب الإسرائيلي أو وقف الحرب، وأن مفتاح إنهائها بات في يد الدولة والدبلوماسية والضغط الأميركي.

وهنا تحديدًا يُسجَّل لبري ولحركته أن مواقفهما الأخيرة باتت أقرب إلى منطق الدولة والمؤسسات والسيادة، وهذه حقيقة سياسية ينبغي تسجيلها حتى ممن يملكون سجلا طويلا من الاعتراضات على أداء الحركة، من زمن الوصاية السورية إلى المشاركة في منظومة السلطة وما رافقها من محاصصة. لكن السياسة اللبنانية لا تسمح بكثير من الرومانسية، وهنا يكمن السؤال الأساسي: هل أصبح بري فجأة مقتنعًا بأن زمن السلاح خارج الدولة انتهى؟ أم أنه، بخبرته الطويلة، أدرك قبل غيره أن المسار القائم محكوم برعاية دولية ثقيلة، وأن الاصطدام بالإجماع الغربي والعربي لن يغيّر وجهته، بل قد يضعه هو وحركته تحت ضغوط وعقوبات جديدة؟ وربما الاثنان معًا.

وثمة مصلحة شيعية داخلية أيضًا لا يمكن تجاهلها. فكل تراجع في قدرة “حزب الله” على الإمساك بالبيئة الشيعية يعيد إلى “أمل” مساحة خسرتها تدريجيًا لمصلحة شريكها الأقوى عسكريًا وتنظيميًا، وبري، الذي بنى نفوذًا سياسيًا وإنمائيًا واسعًا في الجنوب، لا يمكن أن يكون مرتاحًا إلى رؤية هذه المنطقة تدفع مرة تلو الأخرى فاتورة خيارات تتجاوز حدودها.

لذلك، لم يعد السؤال إن كان هناك تمايز بين “أمل” و”حزب الله”، فالتمايز موجود ويتسع، لكن السؤال: ما هي حدوده؟ فإذا استمرّت حركة “أمل” في اختيار الحكومة على الشارع، والبرلمان على التعطيل، والدولة على المحاور، يكون بري قد بدأ يرسم لحركته طريقًا مختلفًا عن “الحزب” الذي خرج يومًا من رحمها. والمفارقة أن الابن الذي خرج من رحم الحركة ليصبح أقوى منها قد يجدها اليوم تسبقه في العودة إلى “لبنانيّته”.

محطات القتال

في العام 1986 اندلع قتال شرس بين “أمل” و”الحزب” في جباع وجرجوع دام سنوات ولم يكن محصورًا هناك بل امتد إلى بيروت، وخير دليل على ضراوة المعارك، النصب التذكارية لقتلى الطرفين التي امتدت على طول الطريق في إقليم التفاح. وفي 2 كانون الثاني من العام 1990 قال بري تعليقًا على هذه المعارك “الأخوية”: “ليكو صاروا قاتلين من القادة وباسم المقاومة أكثر مما قتلت إسرائيل، إسرائيل قتلت محمد سعد وخليل جرادي، هني قتلوا داوود ومحمود وحسن ومحمد حمود ومحمد جزيني قائد المقاومة، واليوم أبو جمال حسن جعفر، قائد القوات النظامية والمسؤول العسكري بحركة أمل…”.

محطات التمايز

محطتا 5 و7 آب 2025 كانتا إحدى إشارات التمايز بين “الحزب” و “الحركة”. يومها، اصطدم ملف حصر السلاح بيد الدولة وورقة الموفد الأميركي توم براك بالحائط الشيعي، وانسحب وزراء الثنائي من جلسة مجلس الوزراء، لكن “أمل” لم تذهب إلى كسر الحكومة أو إسقاطها، بل بقيت داخل المؤسسة، كما بقي بري لاحقًا متمسكًا بخيط العلاقة مع رئيس الجمهورية جوزاف عون والحكومة، فيما ارتفع خطاب “حزب الله” اعتراضًا على المسار المتصل بالسلاح.

كما ظهر التمايز واضحًا في جلسة مجلس الوزراء في الثاني من آذار 2026، حين قرر المجلس حظر الأعمال العسكرية والأمنية لـ”حزب الله”. يومها، لم يعترض الوزيران المحسوبان على حركة “أمل” على قرار الحكومة، خلافًا لوزيري “الحزب”.

وكذلك لم يُسجّل أي اعتراض من وزيري “أمل” حول خطة إعلان بيروت منزوعة السلاح في جلسة مجلس الوزراء التي عُقدت في التاسع من نيسان الماضي، ليتوّج التمايز في جلسة مجلس النواب التشريعية في 12 آب الحالي، حين تم إقرار قانون العفو العام، بحيث انحصر الانسحاب النيابي الشيعي بـ”حزب الله”.