
مركبات إسرائيلية تسير على طريق في جنوب لبنان. رويترز
في موازاة إمعانها في قطع المسار التنفيذي لـ”صيغة الإطار”، وتعطيل الانتقال إلى مناطق تجريبية جديدة وفقاً لمندرجاته، تواصل إسرائيل هروبها من التزاماتها التي يوجبها الاتفاق الإطاري، ومفاقمة عوامل التصعيد على امتداد المنطقة الجنوبية، وإخضاعها لمناخ حربي، برفع وتيرة الاعتداءات، وتكثيف عمليات النسف والتدمير والإحراق للقرى والبلدات الجنوبية، والغارات الجوية التي تركّزت في الساعات الأخيرة على تلة علي الطاهر، وشملت إضافة اليها، النبطية الفوقا ومنطقة اقليم التفاح. فيما الجهد الرسمي، الذي يقوده رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، منصبّ على محاولة استعادة الزخم للمسار السياسي والديبلوماسي، وكبح عدوانية إسرائيل على الأراضي اللبنانية، واستهدافاتها المباشرة لصيغة الاطار.
فرض واقع مشتعل!
وتيرة الاعتداءات المرتفعة، تشي بما لا يرقى اليه الشك، بأنّ إسرائيل ماضية في محاولة فرض واقع مشتعل في المنطقة الجنوبية، يهدّد بتمدّد ناره إلى مناطق أبعد من شمال الليطاني، والإعلام العبري، تبعاً لذلك، يتحدث عن خطط للجيش الإسرائيلي لفرض وقائع ميدانية جديدة، يمكن استخدامها كأوراق ضغط على لبنان، تسمح بفرض شروط جديدة سياسية وغير سياسية، كما يكشف بوضوح انّ مواقف المستويين السياسي والأمني في إسرائيل، لا تعكس رغبة حقيقية في الوصول إلى الأهداف المحدّدة في الاتفاق الإطاري مع لبنان.
هذا المنحى الإسرائيلي، ليس خافياً على الجانب اللبناني. وتبعاً لذلك، رئيس الجمهورية جوزاف عون، ركّز في الساعات الأخيرة على ما تقوم به إسرائيل من اعتداءات وافتعال تعقيدات في مسار الإطار، مجدداً في الوقت نفسه التأكيد على أن «لا خيار أمامنا سوى التفاوض»، وهو بذلك، على ما يؤكّد مصدر رسمي لـ«الجمهورية»، يوجّه رسالة مباشرة إلى المجتمع الدولي، وفي مقدّمه الراعي الأميركي لصيغة الإطار، تؤكّد «أننا ملتزمون حتى النهاية بصيغة الإطار، الّا انّ خطراً أكيداً بات يحدق بها، جراء عدوانية إسرائيل وتجاوزها لمندرجاتها، ما يجعل من الضرورة أكثر إلحاحاً لتحمّل المسؤوليّة والضغط على إسرائيل».
فراغ «اليونيفيل»
في سياق جنوبي متصل، وفي موازاة المعركة الديبلوماسية التي تُخاض لكبح عدوانية إسرائيل وإلزامها بوقف اطلاق النار والانصياع لمندرجات صيغة الإطار، تتبدّى معركة تتسمّ بالدقة والحساسية، وتحظى بإجماع داخلي عليها، ومرتبطة بـ«اليونيفيل»، ولاسيما لناحية ملء الفراغ الذي سيحدثه انتهاء فترة انتدابها نهاية السنة الجارية، اي بعد 5 أشهر.
ووفق معلومات موثوقة لـ«الجمهورية»، فإنّ الخشية الكبرى لدى مستويات الدولة، هو دخول الوضع في الجنوب، ولاسيما في منطقة انتشار قوات «اليونيفيل» في فراغ خطير جداً أشبه بالتفلّت، في حال انتهاء مهمّة «اليونيفيل» ومغادرتها الجنوب، قبل توفير البديل الملائم الذي يملأ هذا الفراغ.
وبحسب المعلومات، فإنّ الرئيس جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري يتصدّران هذه المعركة، مرفودان بحراك نيابي تجلّى في عريضة الـ86 نائباً التي تدعو إلى التمسك بـ»اليونيفيل» والحفاظ على القرار 1701.
وتشير المعلومات، إلى انّ عدداً كبيراً من الدول، وبعضها مشارك في عداد «اليونيفيل» حالياً، عبّر عن الرغبة في استمرار انتداب وحداتها في الجنوب، ومن بينها فرنسا وإيطاليا، وإسبانيا وغيرها من الدول. الاّ انّ الأساس في هذه المعركة، هو توفير التغطية من قبل الأمم المتحدة لانتداب الدول في الجنوب بدلاً من «اليونيفيل»، وليس خارج إطار الأمم المتحدة. وثمة ثلاثة اقتراحات موضوعة على طاولة البحث؛ اقتراح بانتداب 2500 جندي من جنسيات مختلفة، واقتراح بانتداب 5000 جندي، واقتراح ثالث بانتداب 7500 جندي، ولكن لم يتمّ حسم أي من هذه الاقتراحات. على انّ الأهم في هذا السياق، هو انّه من دون تغطية الأمم المتحدة لوجود قوات بديلة لـ»اليونيفيل»، لا يمكن القبول بوجود أي دولة من أي جنسية كانت».
وتحدثت مصادر المعلومات، عن «صعوبات تعترض هذا المسار، حيث انّ هناك اطرافاً تحاول وضع عراقيل في طريق التغطية الأممية للقوات البديلة، وبما لها من نفوذ تعمل على منع هذه الأفكار من أن تُدرج على بساط البحث في الامم المتحدة. ونُقل عن مسؤول رفيع قوله ما حرفيته: «ما نريده ونلحّ عليه، هو انتداب وحدات من جيوش دول تحت علم الأمم المتحدة، ولكن هناك من يريد إرسال قوات خارج هذا العلم، وهذا في رأينا سيُعتبر احتلالاً، او بمعنى أدق احتلالات، وليس انتداباً مشروعاً، إذ ستنشأ عنه إشكالات وربما غير ذلك. والخشية الكبرى من أن حصول هذا الامر معناه انّ الجنوب سيدخل في الضياع، والقرار 1701 يصبح أثراً مفقوداً لا قيمة له».
بين الفراغ والضياع
يُشار في هذا السياق، إلى مداولات في الأوساط السياسية والأممية، تفيد عن توجّه لدى بعض الدول الكبرى لتأسيس «قوة متعددة الجنسيات» بديلة لقوات «اليونيفيل»، لا دور فيها للأمم المتحدة، وظيفتها الأساس مواكبة الإجراءات والخطوات التنفيذية لصيغة الإطار الموقّعة بين لبنان وإسرائيل. إضافة إلى تمتعها بحرّية الحركة في المنطقة الجنوبية، وهو الأمر المرفوض من قبل لبنان.
وفي رأي مرجع كبير، انّ الجنوب بعد مغادرة «اليونيفيل»، وفي وضعه الراهن في ظل الاحتلال الإسرائيلي، سيتموضع تلقائياً على حافة هاوية خطيرة، محفوفة باحتمالات صعبة، ما يوجب إعطاء الزخم لاتصالات واسعة النطاق دولياً، وصولاً إلى بديل لـ«اليونيفيل» شبيه لها وتحت راية الأمم المتحدة، تشكّل عاملاً مساعداً للجيش اللبناني في الانتشار حتى الحدود الدولية، والمحافظة على الأمن والاستقرار في المنطقة الجنوبية. ودون الوصول إلى هذه الصيغة، فالجنوب سيكون حتماً على المفترق بين الفراغ بعد «اليونيفيل»، والضياع، جراء ما قد يحدث من أمور وتطورات مجهولة.
عون والأمن العام
من جهة ثانية، زار رئيس رئيس الجمهورية جوزاف عون، المديرية العامة للأمن العام مهنئاً بالعيد الـ81 للأمن العام، ووضع والمدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير، أكاليل الزهر على النصب التذكاري لشهداء الأمن العام في المتحف.
وفي كلمة له، أثنى الرئيس عون على عناصر المؤسسة، معتبراً انّهم يشكّلون قدوة لمؤسسات الدولة. ودعاهم إلى «عدم التأثر بـ»التافهين» على وسائل التواصل الاجتماعي، قائلاً إنّ «البعض لا يريد مؤسسات الدولة، وأنا وأنتم وكلنا موجودون لخدمة المواطن».
وقال اللواء شقير، الذي تلقّى اتصال تهنئة من رئيس الحكومة نواف سلام: «إنّ مهمّة الأمن العام الأساسية أن يكون في خدمة أمن الوطن واستقراره وفي خدمة المواطن وكرامته وحقوقه». وأضاف: «قوة الدولة وهيبتها لا تُبنى بالشعارات بل بالقانون والعدالة»، لافتًا إلى أنّ «علاقة لبنان مع الدول الشقيقة والصديقة والتعاون الأمني معها، يشكّل عاملاً أساسياً في مواجهة المخاطر المشتركة». وكانت كلمة لوزير الداخلية احمد الحجار حيث قال: «وجود الرئيس عون هنا اليوم هو رسالة دعم لجميع مؤسسات الدولة اللبنانية ومؤسسات وزارة الداخلية، ويعطينا المزيد من الدعم. وعهدنا أن نكون على قدر المسؤولية في تعزيز الأمن والاستقرار».
السفير وجنبلاط
من جهة ثانية، قال السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى «إنّ اللبنانيين متفقون بأنّ على «حزب الله» تسليم سلاحه». مضيفاً بعد زيارته شيخ عقل الطائفة الدرزية الشيخ سامي أبي المنى: «إنني اعتقد أنّ هناك تواصلًا بين الرئيس جوزاف عون و«حزب الله»، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر»، وقال: «إننا نطلب دائمًا من إسرائيل وقف وتخفيف ضرباتها، لكن في المقابل «حزب الله» لا يقدّم أي خطوة».
وردًا على سؤال حول موقف الرئيس السابق للحزب «التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط من صيغة الإطار، قال عيسى: «جنبلاط «يوم بدو ويوم ما بدو» وسنتواصل معه قريبًا».
وفي وقت لاحق، ردّ جنبلاط على السفير الأميركي وقال: «يبدو أنّ السفير عيسى، وسط أنشطته الثقافية والسياسية المختلفة، لم يتمكن من قراءة تعليقاتي على الورقة المسمّاة «الإطار الثلاثي»، التي أرفضها والتي ينبغي استبدالها باتفاقية الهدنة التي أشار إليها اتفاق الطائف والقرار 1701».