
الدخان يتصاعد من جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية. رويترز
يبدو أن “حزب الله” لم يستوعب بعد أن لبنان دخل مرحلة سياسية جديدة، وأن المعادلة التي جعلته لسنوات لاعبًا قادرًا على فرض إيقاعه على الدولة ومؤسساتها لم تعد قائمة بالشكل الذي كانت عليه. فالمسألة اليوم لم تعد محصورة بخلاف على سلاح، بل أصبحت مواجهة سياسية حول من يملك قرار لبنان في الحرب والسلم والتفاوض، ومن يحدد موقعه الإقليمي، ومن يقرر مستقبله؟
حتى الآن، لا يزال “الحزب” يتعامل مع ملف سلاحه من موقع الشروط المسبقة، رافضًا الانخراط في حوار جدي يقوم على خارطة طريق واضحة ومراحل محددة زمنيًا لمعالجة مسألة السلاح. وفي المقابل، تحاول رئاسة الجمهورية والحكومة تثبيت قاعدة مختلفة، قوامها أن الدولة هي صاحبة القرار، وأن أي تفاوض يتعلق بمصالح لبنان وحدوده وأمنه يجب أن يتم من خلال المؤسسات الشرعية وبقرار لبناني مستقل.
ولعل ما يثير قلق “حزب الله” بصورة أكبر هو أن الدولة، ممثلة بالرئيس جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، لم تعد تتعامل مع التفاوض باعتباره تنازلا أو خروجًا عن ثوابت الصراع، بل باعتباره خيارًا سياسيًا لتجنيب لبنان كلفة حرب جديدة. وقد أعلن عون أن التفاوض هو الخيار الأقل كلفة على لبنان، فيما أكد سلام أن الدولة هي الجهة التي تملك حق التفاوض باسم اللبنانيين. وهنا تحديدًا يقع الخلاف في جوهره، فالحزب يريد أن يبقى الخيار العسكري جزءًا من معادلة القوة، بينما تريد الدولة تقديم الخيار السياسي باعتباره الطريق الطبيعي لمعالجة النزاعات وحماية المصالح اللبنانية.
الأكثر دلالة أن “حزب الله” لا يبدو مستعدًا بعد للتعامل مع حقيقة سياسية باتت واضحة، أي أنه هو قوة سياسية لبنانية وازنة، لكنه لم يعد الجهة المسيطرة والمهيمنة والمقررة في كل الملفات. لديه حضور شعبي وتمثيل نيابي ووزاري، وله الحق في المشاركة السياسية والدفاع عن خيارات جمهوره، لكن هذا الحضور لا يمنحه حق احتكار القرار الوطني أو فرض إرادته على بقية اللبنانيين. فزمن أن تكون الدولة أمام الأمر الواقع، وأن تتحول المؤسسات إلى أطر لتغطية قرارات اتُّخذت خارجها، يفترض أن يكون قد انتهى.
وأتت جلسات مساءلة الحكومة والنقاش النيابي حول السلاح والتفاوض لتقدم للحزب درسًا سياسيًا إضافيًا. فقد بات واضحًا أن قضية السلاح لم تعد تحظى بالاحتضان السياسي الذي كان يسمح بإبقائها خارج النقاش المؤسساتي، وأن الأغلب الأعم من القوى اللبنانية بات يربط بصورة مباشرة بين قيام الدولة وحصرية السلاح والقرار الأمني والعسكري. وفي الوقت نفسه، لا يزال “الحزب” المجرّد من حلفائه يربط التخلي عن السلاح بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وتأمين الضمانات، ما يبقي الخلاف قائمًا حول الأولويات والتوقيت.
لكن العقدة الأهم تكمن في رفض “الحزب” للمسار التفاوضي المباشر الذي اختارته الدولة، وإصراره على التفاوض غير المباشر وربط الملف اللبناني بمسارات إقليمية أخرى، وفي مقدمها المسار المرتبط بإسلام آباد. فالمشكلة، من وجهة نظر خصوم هذا الخيار، ليست في كون التفاوض مباشرًا أو غير مباشر فحسب، وإنما في الجهة التي تمتلك قرار التفاوض. لبنان الذي يذهب إلى الطاولة باسمه ومؤسساته يصبح دولة تفاوض على مصالحها، أما لبنان الذي ينتظر مسار المحاور الإقليمية ويجعل قراره مرتبطًا بنتائجها، فيخاطر بالعودة إلى موقع الورقة في صراعات الآخرين.
ومن هنا يمكن فهم غضب “حزب الله” تجاه اتخاذ الدولة قرار التفاوض بمعزل عن أي مسار إقليمي آخر. فقبول هذا الأمر يعني عمليًا الاعتراف بأن قرار الحرب والسلم والتفاوض لم يعد قابلا للتجزئة، وأن الدولة وحدها هي التي تحدد متى تفاوض، وكيف تفاوض، وما الذي تقبله أو ترفضه. وهذا التحول يضع حدًا لنموذج سياسي كان يسمح بوجود قرارين داخل البلد؛ قرار رسمي معلن وقرار موازٍ يستند إلى قوة السلاح.
المسألة إذًا ليست محاولة لإلغاء “حزب الله” أو إخراجه من الحياة السياسية، بل تحديد موقعه داخل الدولة. فالحزب أمام خيار سياسي واضح، وهو أن يتحول من قوة تفرض شروطها إلى قوة تفاوض وتشارك وتعارض وتنتقد، مثل سائر القوى اللبنانية، أو أن يتمسك بمعادلة القوة التي تجعل سلاحه شرطًا لتحديد خيارات الدولة.
وفي جوهر هذا الصراع أيضًا سؤال العلاقة بإيران. فخصوم “حزب الله” يرون أن إبقاء قرار السلاح والتفاوض مرتبطًا بمحاور إقليمية، ولا سيما بإيران، يعني عمليًا إبقاء لبنان داخل دائرة النفوذ والصراع الإقليمي، ومنعه من امتلاك قرار سيادي مستقل. أما “الحزب” فيزعم أن سلاحه مرتبط بمواجهة إسرائيل وبحماية لبنان، ويرفض اختزال المسألة بعلاقته بطهران.
لكن لبنان اليوم أمام اختبار مختلف؛ هل يكون دولة تجلس إلى طاولة التفاوض وتتحمل وحدها مسؤولية قرارها، أم يعود إلى موقع الساحة التي تتقاطع عليها مشاريع الآخرين؟ هنا تحديدًا تكمن لحظة الحقيقة بالنسبة إلى “حزب الله”. فالخيار السياسي لا يعني الاستسلام، وحصرية السلاح لا تعني إلغاء التمثيل الشيعي، والتفاوض لا يعني التخلي عن الحقوق اللبنانية. بل إن المعادلة التي تحاول الدولة تثبيتها تقوم على أن الدفاع عن الحقوق يكون من خلال دولة تمتلك قرارها، لا من خلال قوة موازية لها.
ولهذا فإن المطلوب اليوم ليس انتصار فريق لبناني على آخر، بل حسم وظيفة الدولة نفسها. فإما أن يقبل “حزب الله” بأن لبنان دولة ذات قرار مستقل، وأن حضوره السياسي محفوظ ضمن المؤسسات، أو يواصل ربط مصير السلاح والقرار اللبناني بحسابات المحاور، بما يجعل البلاد مجددًا ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية. وبين الخيارين، تبدو المسألة أبعد بكثير من سلاح “حزب الله”، إنها معركة تحديد من يقرر مصير لبنان: الدولة اللبنانية أم من يملك القدرة على التأثير فيها من خارج مؤسساتها.