السبت 19 ذو الحجة 1447 ﻫ - 6 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

الدويلة بالمعطف الأبيض.. كيف بنى «حزب الله» إمبراطورية صحية داخل الدولة؟

نداء الوطن
A A A
طباعة المقال

أعاد قرار الكويت إدراج ثمانية مستشفيات لبنانية على لائحة الإرهاب الوطنية تسليط الضوء على ما يمكن وصفه بـ«القوة الصحية» لـ«حزب الله»، وهي قوة لا تقل أهمية عن جناحيه السياسي والعسكري. فمنذ نشأته، تعمّد الحزب بناء منظومة مؤسساتية موازية للدولة اللبنانية؛ فبعد ترسيخ جهازه الأمني والعسكري، توسّع تدريجيًا نحو القطاعات الاقتصادية والاجتماعية. غير أن القطاع الصحي حظي بمكانة استثنائية، إذ نجح الحزب في تحويله إلى أداة نفوذ وتغلغل داخل مفاصل الدولة التي طالما هاجمها ورفض شرعيتها، ما أتاح له الاستفادة من مواردها العامة لتمويل وتوسيع منظومته الخاصة.

وتكشف دراسة معمّقة صادرة عن منظمة «أمم للتوثيق والأبحاث» حجم العمل التنظيمي الهائل الذي راكمه حزب ولاية الفقيه على مدى عقود. وهي قضية تناولها الباحث السياسي عباس هدلا، كاشفًا جوانب ظلّت بعيدة عن الرأي العام لسنوات. ويأتي القرار الكويتي ليؤكد كيف تحوّلت البنية الخدمية، ولا سيما الصحية، إلى ركن أساسي في استراتيجية بناء «دويلة المقاومة الإسلامية في لبنان».

في هذا السياق، يبرز سؤالان أساسيان: ما هي أبرز المؤسسات الصحية والاجتماعية التابعة لـ«حزب الله»؟ وكيف نسجت هذه المؤسسات علاقتها بالدولة اللبنانية؟

«مؤسسة الشهيد»

أُطلقت عام 1982 تحت اسم «مؤسسة شهيد الثورة الإسلامية – فرع لبنان»، بتوجيه مباشر من المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية الإمام الخميني. وفي عام 1988، حصلت «مؤسسة الشهيد الاجتماعية الخيرية» على ترخيص رسمي (علم وخبر رقم 37/أد) من وزير الداخلية آنذاك عبد الله الراسي. وفي 17 آب 1994، مُنحت صفة «المنفعة العامة»، ما أتاح لها تلقي مساعدات من وزارتي الصحة والشؤون الاجتماعية، إضافة إلى الدولة اللبنانية ومؤسسات الأمم المتحدة.

«لجنة إمداد الإمام الخميني»

باشرت «لجنة الإمداد الخيرية الإسلامية» عملها في لبنان عام 1988 تحت اسم «مؤسسة إمداد الإمام الخميني»، كفرع للمنظمة الأم في إيران. وقد أُنشئت بهدف «تقديم الدعم والرعاية للمحرومين» والمساهمة في مقاومة ما وصفته جريدة «العهد» التابعة للحزب في عددها الصادر بتاريخ 15 كانون الثاني 1988 بـ«الاستكبار العالمي والنظام الماروني – الصهيوني».

وحصلت اللجنة في 29 آذار 1988 على ترخيص رسمي (علم وخبر رقم 85/أد)، قبل أن تُمنح صفة «المنفعة العامة» في 20 تشرين الأول 1994 بموجب المرسوم رقم 5829 الصادر عن وزير الشؤون الاجتماعية شاهي برصوميان.

«الهيئة الصحية الإسلامية»

تُعدّ هذه المؤسسة العمود الفقري للقطاع الصحي التابع لـ«حزب الله» (مع الإشارة إلى أن وزير الصحة الحالي راكان ناصر الدين كان عضوًا فاعلًا فيها). حصلت على ترخيص رسمي كجمعية عام 1984، واعترف بها كمزود لخدمات الإسعاف والدفاع المدني، إضافة إلى منحها صفة «المنفعة العامة».

وتشكّل الهيئة شريكًا أساسيًا لوزارة الصحة العامة، لا سيما في مجال المستوصفات، حيث تدير نحو 70 مركزًا صحيًا منتشرة في مختلف المناطق ذات الغالبية الشيعية، وتستحوذ على حصة وازنة من الأدوية والمعدات الطبية التي تسلّمها المنظمات الدولية للوزارة.

وتنقسم الهيئة إلى ثلاثة فروع: المراكز الصحية، الدفاع المدني، ومؤسسة المستشفيات، التي تدير سبعة مستشفيات هي:

مستشفى الشهيد صلاح غندور (بنت جبيل)

مستشفى البتول (الهرمل)

مستشفى الشيخ راغب حرب (النبطية)

مستشفى دار الحكمة – الإمام المجتبى (بعلبك)

مستشفى جويا للرعاية (جويا)

مستشفى الشفاء التخصصي (خلدة)

مستشفى «الرسول الأعظم»

تأسس في 4 تشرين الثاني 1988، تزامنًا مع ذكرى المولد النبوي الشريف وأسبوع «الوحدة الإسلامية». وقد جُهّز بأحدث المعدات الطبية لتأمين العلاج للحالات الحرجة، بما في ذلك جرحى الحزب ومقاتليه وكوادره. وبالتوازي، يقدّم المستشفى خدمات صحية لآلاف العائلات من ذوي القتلى والجرحى.

وفي أيار 2025، افتتح وزير الصحة راكان ناصر الدين أقسامًا جديدة ومنشآت موسعة، شملت وحدات عناية مركزة، وحديثي الولادة، وصيدلية، وأربع غرف عمليات.

«السان جورج»: صفقة تحت الضغط

مع تصاعد الضغط على مستشفى «الرسول الأعظم» نتيجة تدخل الحزب في سوريا وارتفاع أعداد الجرحى، اتجهت إدارة القطاع الصحي للبحث عن مركز استشفائي رديف في محيط الضاحية الجنوبية. فوقع الاختيار على مستشفى «السان جورج» في الحدث، مستفيدًا من تعثره المالي والإداري وتحوله إلى ما يشبه المستوصف المتهالك.

وبحسب الدراسة، شهدت عملية الاستحواذ منعطفات حادة مع دخول أطراف جديدة على خط الأزمة، بينها محاولة مستشفى «أوتيل ديو» قطع الطريق عبر عرض استرداد المبالغ المدفوعة من «الرسول الأعظم»، وهو عرض قوبل برفض قاطع. كما حاولت بلدية الحدث تعطيل الصفقة بالاستناد إلى «تفاهم مار مخايل»، لكن هذه المحاولات سقطت أمام الأمر الواقع المالي والسياسي.

ما معنى صفة «المنفعة العامة»؟

بموجب القانون اللبناني، تمنح هذه الصفة للجمعيات المعترف بها كشريك في تلبية حاجات أساسية كالصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية، ما يؤهلها لتلقي دعم مالي ولوجستي من الدولة، ويتيح لها الاندماج في برامج الوزارات والمنظمات الدولية، مثل «اليونيسف».

وزارة الصحة كرافعة تمويل

بعد انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020، أصدرت حكومة حسان دياب، مع وزير الصحة آنذاك حمد حسن، مرسومًا حدّد السقوف المالية للمستشفيات. غير أن الفضيحة تمثلت في ذهاب الحصة الأكبر من الأموال إلى المستشفيات والمراكز الصحية التابعة للحزب.

فقد حصل مستشفى «الرسول الأعظم»، الذي لم يتضرر من الانفجار، على 14.7 مليار ليرة لبنانية، بزيادة 5.5 مليارات عن السنوات السابقة. في المقابل، لم تحصل مستشفيات بيروت المتضررة بشدة، مثل الجامعة الأميركية والقديس جاورجيوس وأوتيل ديو، على أي زيادة تُذكر، رغم معالجتها الغالبية الساحقة من الجرحى.

وامتدت الزيادات لتشمل شبكة واسعة من المستوصفات التابعة لـ«الهيئة الصحية الإسلامية»، التي نالت زيادات إجمالية قاربت 14 مليار ليرة مقارنة بمرسوم 2016، وتركّزت حصريًا في مناطق تُعدّ جزءًا من البيئة الحاضنة للحزب.

كيف تستمرّ هذه المؤسسات في تلقي الأموال؟

رغم إقفال مصرف لبنان عام 2016 حسابات «مؤسسة الشهيد» و«الرسول الأعظم» و«جمعية الإمداد» التزامًا بالعقوبات الأميركية، لم يمنع ذلك هذه الجهات من تلقي ما يُعرف بـ«الأموال الشرعية» عبر صناديق الوزارات المعنية، على غرار ما يحصل مع نواب الحزب الذين يتقاضون رواتبهم نقدًا من صندوق مجلس النواب.

وفي المحصلة، يستغل «حزب الله» موارد وزارة الصحة ومؤسسات الدولة لخدمة شبكة منظماته الخاصة، مستفيدًا من واحدة من أكبر موازنات الدولة (نحو 480 مليون دولار لعام 2025). ومع تراجع قدرته على التهريب بعد سقوط نظام بشار الأسد وتضاؤل مصادر الدخل غير المشروع، ازداد تمسّكه بوزارة الصحة. وفي هذا السياق، يشكّل القرار الكويتي إشارة إنذار قد تفتح الباب أمام عقوبات إضافية من دول عربية وأوروبية داعمة للبنان.