السبت 18 محرم 1448 ﻫ - 4 يوليو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

رسالة الشيباني: الطائف وتفكيك "حلف الأقليات"

نداء الوطن
A A A
طباعة المقال

بمعزل عن الذاكرة المثقلة بالمآسي وإرث الوصاية، ثمة حقائق تفرضها الجغرافيا السياسية: لا تستطيع سوريا أن تدير ظهرها للبنان وتقول “كَلّ على موْلاه”، لأن ذلك يعني إفساح المجال أمام تحول البلد الجار الذي يوصف بـ”الخاصرة الرخوة” إلى مصدر تهديد للاستقرار في دمشق، وهذه ليست فرضية نظرية إنما درس تاريخي ظهر في العديد من المحطات التي سبقت استيلاء حافظ الأسد على السلطة.

بيد أن الرئيس السوري أحمد الشرع المدرك لحساسية التوازنات اللبنانية، اختار استراتيجية “ترويض الوحش”، أي “حزب الله” لا مواجهته، ودخول لبنان من بوابة “اتفاق الطائف” بالذات لترجيح كفة الدولة، في مشهد يختزن دلالات سياسية عميقة تتوخى تثبيت الطلاق البائن مع نهج نظام الأسد، الذي لم يتعامل مع لبنان إلا كساحة نفوذ وورقة مساومة، وابتدع نسخة مشوهة من الطائف مفصلة على قياس أهدافه التوسعية.

فبعد أن منحه الرئيس الأميركي غطاء للدخول إلى لبنان، ومقعدًا للشراكة في معالجة معضلة سلاح “الحزب”، أظهر الشرع خلال إطلالته الإعلامية التي خصصها للشأن اللبناني مقاربة تعتمد المبادرات السياسية وعناصر القوة الناعمة، وأكد أن امتلاك بلاده القدرات اللازمة للحسم العسكري لا يعني بالضرورة استخدامها، أقله في المدى المنظور، مع تفضيل سياسة اليد الممدودة، واستراتيجية العمل عبر الدولة والمؤسسات الشرعية.

أول تطبيق لاستراتيجية العمل هذه تمثل في زيارة وزير الخارجية أسعد الشيباني بالأمس، والتي تندرج ضمن مسار سياسي هدفه إعادة رسم قواعد اللعبة، حيث حمل معه مبادرة سياسية متعددة العناصر، ترتكز على تطبيق “الطائف” عبر آليات حوارية من داخل المؤسسات، ودعم الدولة وحكم الرئيس جوزاف عون، والانفتاح على كل المكونات السياسية والدينية لتبديد الهواجس، واحتواء الشيعة بالذات، وتفكيك آخر حلقات “حلف الأقليات” الذي لطالما غذّاه نظام الملالي وتدثر به حزبها. وبالمجمل توجيه رسائل غير مشفرة إلى “حزب الله” مفادها “انتهت اللعبة”.

وتزداد أهمية الزيارة بالنظر إلى توقيتها الحساس لتزامنها مع توقيع لبنان “الإتفاق الإطاري” مع إسرائيل برعاية أميركية، وإطلاق حزب الله انتفاضة ضد الدولة تستدعي ذاكرة “17 أيار” لإنتاج مسار سياسي يكون فيه الرئيس نبيه بري حجر الزاوية، ويضم العديد من القوى السياسية، الفاعلة والاسمية، بهدف إسقاط الاتفاق وإضعاف موقع الدولة.

هذه المبادرة التي تعد جزءًا من الترتيبات الأميركية لإعادة بناء التوازنات في المنطقة، وجرى تنسيقها مع السعودية وأطراف إقليمية فاعلة، تروم دعم موقف الدولة وتنسيق الموقف التفاوضي عبر “اللجنة العليا” التي جرى توقيع اتفاقية تشكيلها في السراي الحكومي، لمنع إسرائيل من الاستفراد بأي من البلدين، لفرض وقائع جديدة على الأرض ومد نفوذها الجيوسياسي. وفي الوقت عينه إدخال دمشق كشريك إقليمي يشكل عنصر توازن مع إيران، ويقفل الطريق أمام محاولتها الالتفافية للحفاظ على موطئ نفوذ لها في لبنان عبر نافذة “خلية منع الاحتكاك”، ويمنح الجيش مظلة متينة لتطبيق الالتزامات التي فرضها الاتفاق الإطاري، والتي تشكل الاختبار الأدق لفكرة الدولة وحصرية القرار الاستراتيجي.

وعلى عكس الدعاية المضللة التي يسوقها “الحزب” فإن المفاوضات التي أجراها لبنان مع إسرائيل لم تكن شكلية، إنما “مباراة” دبلوماسية استُثمر فيها الموقف الأميركي ودعم السعودية وقوى عربية وإقليمية لفرض بعض التنازلات على إسرائيل التي لم تكن تريد تقديم شيء. لذلك، وفي ظل أن البدائل عن المسار الذي يقوده رئيس الجمهورية تنحسر بين العودة إلى السقوط في حفرة النفوذ الإيراني، أو استمرار آلة الحرب الإسرائيلية، أو الذهاب نحو حل عسكري سوري لضبط التوازنات بإيقاع أميركي، فإن المبادرة التي حملها الشيباني تبدو وكأنها تقول للبنانيين، وضمناً “الحزب” ورهطه: “امشوا خلف جوزاف عون” لأن مقاربته تجسد الطريق الأكثر موثوقية لتقوية موقع الدولة في المعادلات التي يعاد رسمها.

في عين التينة، وأمام لاعب مخضرم ومتمرس في المناورات السياسية، كان المفضل أميركيًا، جلس “أبو عائشة” مستندًا إلى أوراق قوة: دعم أميركي وخليجي وتركي، وقوة عسكرية وديموغرافية، ورسائل سياسية بنكهة أمنية موجهة لـ”الحزب” تمثلت بلقاءات زعماء القوى السياسية اللبنانية ومعانيها. سبق اللقاء رسالة إيجابية بأن دمشق تقدر لبري عدم إرساله مقاتلين إلى سوريا. هذه الرسالة مثلت الجسر الذي مد لفتح حوار مع بري حول نهاية صلاحية سلاح “الحزب” ومستقبل الشيعة. وعلى الطاولة وضع الحل العراقي كنموذج أميركي يمكن ابتكار صيغة لبنانية له، عبر توظيف الأساس نفسه: تراجع نفوذ نظام الملالي وتوسع دور سوريا في المجال الحيوي.

أما زيارته إلى طرابلس فحملت رمزية خاصة ترتبط بما تعرف به المدينة من كونها “عصب السنة”، وبما عانته من اضطهاد على يد نظام الأسد، وتأييدها الثورة السورية، وهدفت إلى إظهار قوة الحضور والتأثير، والتأكيد على تشكيل مظلة حماية للسنة. وكان من المفترض أن تشمل الزيارات نائبة رئيسة “المستقبل”، بهية الحريري، لإكمال حزمة الرسائل السياسية الموجهة لـ “حزب الله” بأن السنة تحت حمايتنا، وأن محاولاته التمدد والسيطرة على صيدا بأردية مختلفة مصيرها الفشل. لكن الآثار السلبية للزيارة على المستوى الداخلي في ظل التحالف غير المعلن بين جماعة الحريري و”الحزب”، واستعجال الأولين استثمار نتائج اللقاء أسقطاه من الجدول.

بالمحصلة، وبينما يتم التلويح باتفاق “الخطوط الحمر” بين سوريا وإسرائيل الذي صاغه “العلامة” كسينجر لضبط التوازنات في منطقة ساخنة، فإن واشنطن التي لا تزال تراه صالحًا للاستخدام، رمت بورقة على الطاولة مبادرة عنوانها “امشوا خلف جوزاف عون” ضمن سياسة الترغيب والترهيب.