انهيار مبنى في طرابلس
“بناية عم توقع، في كتير ناس بقلبها… 14 ماتوا تحت الركام”؛ هذا المشهد المؤلم لانهيار المبنى في طرابلس – باب التبانة يطارده سكان المدينة منذ أيام، كصورة مشابهة لما شهدته مباني الجنوب المدمرة خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان. وفي اليوم نفسه الذي زار فيه رئيس الحكومة نواف سلام الجنوب، انهار مبنى طرابلس في توقيت “رمزي”، يذكّر بأن الدولة كانت غائبة عن المدينة أيضًا، وأن إقصاء طرابلس عن الإنماء قادر على التدمير والقتل كما فعلت الحرب في الجنوب.
المبنى الذي انهار ليس سوى واحد من بين نحو 600 مبنى آيل للسقوط، بعلم الدولة، ومع افتراض أن كل مبنى يسكنه عشرة أشخاص، يكون نحو 6000 شخص معرضين للخطر حاليًا في طرابلس. يثير هذا التساؤل حول من “خزّن” ظروف انهيار هذه المباني على مدار عقود، في جريمة إهمال ممنهج لا تقل خطورة عن تخزين نيترات الأمونيوم في مرفأ بيروت. فالمبنى وقع فجأة، لكن أسباب انهياره تعود لعقود من الإهمال الممنهج للمدينة، ما يوضح أن الدولة فعلت هذا لطرابلس أيضًا.
طرابلس لم تُهمَّش فقط نتيجة انهيار الدولة، بل صُمتت أيضًا بالفقر والإرهاب، ما عطّل قوتها الجيوسياسية في موقعها الاستراتيجي على البحر المتوسط وبوابة لبنان إلى سوريا. المدينة، ذات الأكثرية السنية المعارضة لنظام الأسد و”حزب الله”، لم تُقصَ عن الخارطة الاقتصادية فقط، بل عن دورها السياسي الوطني. هذا يجعل السؤال أعمق من زعاماتها: لماذا كان لابد من إضعاف طرابلس؟ وما الوظيفة التي أُنيطت بها داخل النظام اللبناني؟ وكيف أدّى الإفقار والقبضة الأمنية إلى ذلك الدور؟
الإفقار كسياسة تطويع
بعد الحرب الأهلية، أصبح مركز الثقل الاقتصادي في بيروت، مما قلّص تدريجيًا دور طرابلس. تعطلت مصفاة النفط في البداوي، وبالكاد بقي المرفأ متنفسًا وحيدًا يحافظ على الإنعاش الاقتصادي للمدينة. إخراج طرابلس من المشروع الاقتصادي الوطني كان ضمن سياسة الدولة تجاه المحافظات الأطراف: البقاع، الجنوب والشمال، لإطعام النظام الاقتصادي في المركز، بالتوازي مع سياسة إفقار وتجهيل لتحويل المدينة إلى شبه ضاحية، تفقد مقومات العاصمة وتغيب عن الخارطة الوطنية.
في العام 2015، قدّرت الإسكوا أن 57% من سكان طرابلس محرومون، و26% يعيشون في فقر مدقع. وفي 2022، أشار البنك الدولي إلى أن الكساد المتعمّد في لبنان “من تدبير قيادات النخبة التي تسيطر منذ وقت طويل على الدولة وتستأثر بمنافعها الاقتصادية”. هذا يعني أن الإفقار والتهميش كانا سياسة حكم وليس مجرد انهيار دولة، بهدف ضمان تبعية المدينة وزعاماتها وتحويلها إلى ملف أمني كبير، يخرجها من المعادلة السياسية.
معارك الإلهاء وإعادة توجيه الغضب
الطبقة الوسطى في طرابلس ذابت بين الأغنياء والفقراء، فيما بقي الغضب الشعبي متنفسًا افتراضيًا يدار أمنيًا، ليتم تحويله أفقياً بين الأحياء الفقيرة مثل التبانة وجبل محسن. البنى التحتية المتداعية، سواء في التبانة أو جبل محسن، واحدة، فقط صور الزعماء تختلف لتعزيز الانقسام.
“حزب الله” يسيطر من بوابة المرفأ
المدينة أُهملت لتخدم مصالح “حزب الله”، الذي استغل عنوان “الإسلاميين” لتبرير سيطرته الأمنية على المناطق ذات الأكثرية السنية، بما فيها طرابلس، مستفيدًا من المرفأ الذي كان سابقًا ممراً للتهريب. قرب المدينة من سوريا عزز أهميتها الجيوسياسية، لكن وصمها بالإرهاب أضعف دورها السياسي، ليصبح الشاب الطرابلسي ملفًا أمنيًا ضمن ملف أمني كبير.
هل يكفي ترميم المباني أم مطلوب إعادة تعريف الدور السياسي؟
مع انهيار المبنى، تجمّعت الملفات أمام حكومة العهد الجديد، التي لم تكن جزءًا من “الدولة العميقة”. عقد رئيس الحكومة نواف سلام اجتماعًا طارئًا، ثم زار طرابلس، برفقة وزراء معنيين، لإطلاق خطة إيواء وترميم، في محاولة لإعادة الدولة كراعٍ حامي في طرابلس وسيادية في الجنوب، وضمان العدالة لملف انفجار المرفأ في بيروت.
لكن انهيار المبنى لم يكن انهيار حجارة فقط، بل انهيار وظيفة سياسية كاملة حكمت المدينة لعقود. عاصمة الشمال لا تطلب إنقاذًا مؤقتًا، بل تعريفًا سياسيًا جديدًا لوظيفتها ضمن مشروع وطني يعيد للمدينة مواطنيتها وإنسانيتها، بعيدًا عن وصمها بالفقر والإرهاب.
المدينة كملف أمني
كما يرى المفكر فرانز فانون، “يجد المستعمر حريته في العنف”. طرابلس استعمرت بالإفقار الممنهج، فكان الشارع متنفسها الاعتراضي الوحيد. الاستعمار الاقتصادي والسياسي حول غضب الشارع إلى ملف أمني فردي، وجعل الفوضى والاعتراض أداة لإطفاء الثورة الشعبية، كما توضح أحداث الشوارع بعد الثورة اللبنانية، وحالات استشهاد شباب المدينة.
الدولة لم تغب تمامًا، بل حضرت بطريقة أمنية فقط، للاحتواء وليس للعدالة، ما أسهم في تحويل الغضب إلى أداة سياسية وأمنية، بدلاً من أن يكون صوتًا للمطالبة بحقوق المواطنين. كل هذا ضمن منظومة أعادت إنتاج الإفقار، السيطرة، والتهميش، وجعل المدينة مسرحًا للسيطرة السياسية والأمنية، بينما تُعطل حياتها الاجتماعية والاقتصادية.