
لبنان بين غموض الإقليم وسباق الانتخابات وضغوط الشارع
كتبت صحيفة “الجمهورية”: خفّفت المفاوضات بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران من قرقعة طبول الحرب، من دون أن توقفها أو تعطلها بالكامل. فعلى الرغم من الحديث عن أجواء إيجابية أفضت إليها الجولة الثانية من المحادثات، ما زالت قراءات المحللين تميل إلى ترجيح كفة الاحتمالات العسكرية، ولا تعوّل كثيراً على قدرة التفاوض على تعديل ما يُرسم للمنطقة. وتشي التقديرات بأن الشرق الأوسط يعيش أعلى درجات القلق، ليس فقط من الحرب وتداعياتها، بل من حجم المتغيرات الجذرية التي لوّحت بها واشنطن، ومن ضبابية الصورة حيال الدول التي قد تكون في دائرة الاستهداف.
لبنان ليس بعيداً من هذا المشهد الملبّد، إذ لا رؤية واضحة لمستقبله، شأنه شأن دول المنطقة، مع فارق أن ساحته تبدو أكثر انكشافاً، فيما تتجاذبه ملفات داخلية ساخنة وإرباكات متعددة المصادر. وقد حضرت هذه الأوضاع في اللقاء الذي جمع الرئيس سعد الحريري بنائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية والدفاع السابق إلياس المر، الذي زار دارة الحريري في وسط بيروت برفقة النائب ميشال المر.
داخلياً، برزت زيارة اللجنة «الخماسية» لقائد الجيش العماد رودولف هيكل في مكتبه في اليرزة، في إطار التحضير للمؤتمر المخصص لتأمين الدعم للجيش اللبناني، ولا سيما في ظل المهمات الحساسة الملقاة على عاتقه، وفي مقدمها تنفيذ خطة حصر السلاح بيد الدولة، مع التحضير لإطلاق المرحلة الثانية في منطقة شمال الليطاني. وضم الوفد سفراء الولايات المتحدة والسعودية وقطر ومصر وفرنسا، حيث جرى البحث في الاستعدادات لمؤتمر دعم الجيش والاجتماع التحضيري المقرر عقده في جمهورية مصر العربية في 24 شباط 2026. وأكد المجتمعون أهمية تعزيز قدرات المؤسسة العسكرية نظراً لدورها في حفظ الأمن والاستقرار في هذه المرحلة الدقيقة.
وكان رئيس الجمهورية جوزاف عون قد بحث هذه الملفات مع قائد الجيش، كما تناولها مع النائبة الفرنسية عن الفرنسيين في الخارج إميليا لاكرافي.
على صعيد آخر، تتصاعد وتيرة التحضيرات للانتخابات النيابية المقررة في العاشر من أيار المقبل، والتي تفصلها نحو ثمانين يوماً عن موعدها. وتستعد القوى السياسية لحسم الترشيحات والتحالفات وتركيب اللوائح، في سباق مع الوقت. غير أن الأجواء لا تبدو صافية بالكامل، في ظل تسريبات عن شكوك بإجراء الانتخابات في موعدها، وترويج لاحتمال التمديد للمجلس النيابي الحالي. كما زادت الإرباكات الأخيرة المرتبطة بإدخال هيئة الاستشارات والتشريع في وزارة العدل على خط تفسير مسألة اقتراع المغتربين من علامات الاستفهام.
وفي هذا السياق، أكد مسؤول رفيع للصحيفة أن المتضررين من إجراء الانتخابات بدأوا يتحركون، معتبراً أن استحضار رأي هيئة الاستشارات قد يكون مقدمة لمحاولات تعطيل أخرى. وأشار إلى أن المعنيين بالتحرك في دائرة اقتراع المغتربين ينقسمون إلى ثلاثة أصناف: من يخشى خسارة مقعده، ومن يسعى إلى الحفاظ على موقعه الرسمي أو الحكومي، وثالث يراهن على تأجيل الانتخابات بانتظار تبلور الصورة الإقليمية بما يسمح بإحداث تغييرات في المجلس النيابي.
من جهته، أبدى مصدر رسمي بارز خشية جدية مما وصفه بمحاولة داخلية خبيثة لتطيير الانتخابات، محذراً من أن نجاحها سيشكل ضربة معنوية كبيرة لعهد الرئيس جوزاف عون. في المقابل، جدد رئيس مجلس النواب نبيه بري تأكيده أن الانتخابات ستُجرى في موعدها، وأن أي محاولة للتعطيل أو التأجيل أو التمديد محكومة بالفشل، إذ لا يوجد مانع داخلي يحول دون إجرائها.
وفي تطور لافت، بدا أن مجلس الوزراء سعى إلى احتواء مفاعيل رأي هيئة الاستشارات والتشريع الذي أجاز اقتراع المغتربين من أماكن إقامتهم لكل الدوائر. وأفادت معلومات بأن طلب الرأي جاء بتوجيه من جهة أعلى من الوزارة، غير أن مصادر رسمية اعتبرت أن الهيئة لا تملك صلاحية البت في الشأن الانتخابي، وأن المرجع المختص هو المجلس الدستوري. وأكدت المصادر أن على الحكومة تحديد الأطر التطبيقية للدائرة 16 المخصصة لستة نواب عن الخارج، بدلاً من تغطية تقصيرها بآراء لا تستند إلى صلاحية واضحة. وعُلم أن جهات سياسية قررت تقديم مرشحين للدائرة 16، ومن المرجح إعلان بعض الأسماء قريباً، ولا سيما من ثنائي حركة «أمل» و«حزب الله» ومن «التيار الوطني الحر».
اقتصادياً، لم تهدأ تداعيات الرسوم والزيادات التي فرضتها الحكومة، خصوصاً على البنزين، وسط تصاعد الدعوات إلى تحركات احتجاجية في أكثر من منطقة. وتحدثت مصادر نقابية عن تحضيرات لتحركات واسعة اعتراضاً على الأعباء الإضافية في ظل أوضاع معيشية صعبة. وفي موازاة إعلان وزارة الاقتصاد تلقيها التزاماً من اتحاد نقابات الأفران ونقابات أصحاب السوبرماركت بالأسعار الحالية، بعد لقاءات أجراها الوزير عامر البساط لضبط الأسواق ومنع انعكاس الزيادات على السلع الأساسية، أعلن «التيار الوطني الحر» تبنيه الطعن أمام مجلس شورى الدولة بقرار فرض ضريبة على البنزين، مؤكداً سعيه إلى إبطال القرار الذي اعتبره اعتباطياً ويزيد من التضخم والعبء على المواطنين.
إقليمياً، يتواصل السباق بين مسار التفاوض واحتمالات المواجهة. فقد نقل موقع «أكسيوس» عن مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن المحيطين به يحذرونه من حرب مع إيران، مرجحاً احتمال عمل عسكري في الأسابيع المقبلة. بدوره، أعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان رفض بلاده أي تدخل عسكري ضد إيران، معتبراً أن حرباً جديدة لن تفيد أحداً، بل ستكبّد المنطقة خسائر جسيمة.
وفي إسرائيل، أشارت هيئة البث «كان 11» إلى أن تقدم المفاوضات قد يضع تل أبيب أمام معضلة إذا لم تشمل أي صفقة قيوداً على برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني. كما أفادت تقارير إعلامية بأن إسرائيل تستعد لاحتمال مواجهة مع إيران، في ظل توقعات بإحاطة أمنية سرية أمام لجنة الخارجية والأمن في الكنيست لبحث الاستعدادات لاحتمال إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاهها. وتحدثت القناة 12 عن استعدادات إسرائيلية لاحتمال انهيار المفاوضات، في ظل تقديرات بأن المباحثات قد تصل إلى طريق مسدود، مع صعوبة التوصل إلى اتفاق يلبّي شروط الطرفين.