السبت 20 ذو الحجة 1447 ﻫ - 6 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

لبنان يعيش حرباً مقنعة... ودكاكين تفضح الواقع!

نداء الوطن
A A A
طباعة المقال

استهدفت إسرائيل عشية الأحد، عمق ضاحية بيروت الجنوبية، بعد أسابيع على المخاوف اللبنانية من تصعيد نطاق الضربات العسكرية، واغتالت الرجل الثاني في “حزب الله” هيثم الطبطبائي.

سبق أن تغنى الأمين العام السابق لـ “حزب الله”، السيد حسن نصرلله، بأن ما أسماها الحزب “حرب إسناد غزة” كانت كلفتها محصورة بأهل الجنوب وبيئة حزب الله، غامزًا من قناة أن الحياة لم تتوقف في بقية المناطق اللبنانية، لكنها سرعان ما توقفت بفعل ضرب إسرائيل عمق العاصمة بيروت مع اشتداد الحرب في حينه.

ومع ضرب الضاحية مجددا، ووضع إسرائيل كل ضرباتها تحت خانة “تدمير بناء ترسانة حزب الله العسكرية”، لم يعد الحديث عن توسع الحرب في لبنان أو شموليتها، بل عن درجات تأثيرها على اللبنانيين “جنوب” و”شمال” الليطاني، وكلفتها ونتائجها عليهم سواء كأفراد أو على الدولة اللبنانية.

فلعل أخطر كلفة يدفعها اللبنانيون “جماعيًا” في الحرب الإسرائيلية اليوم، هو تأجيل قيام الدولة نفسها. ليصبح السؤال: هل تقلب الدولة اللبنانية قواعد اللعبة في العهد الجديد؟

الجنوب يعود لمرحلة ما قبل التحرير!

يمكن قراءة الخوف الجنوبي، من صناديق الدكاكين، في بعض قرى قضاء صور، والتي لا تتجاوز أرباحها 50 دولارًا يوميًا، حيث لا يشتري سكّانها إلّا الخبز من تلك المتاجر، ولسان حالهم “ما حدا بيعرف شو بيصير”. فهم لا يسألون إن كانت الحرب آتية، بل إنهم يتكهّنون بتوقيت حصولها. و”مسألة الوقت” هذه، أوقفت حياة الناس هناك بشكل شبه كلّي.

كلّما تعمّقت جنوبًا، استذكرت – لا سيّما إن كنت ممّن عاصروا الجنوب في مرحلة الأعوام 1986-2000 ما قبل التحرير- تلك المرحلة. فوصولًا إلى قرى الشريط الحدودي، منطقة لم تحرق إسرائيل محاصيلها وحسب، بل أحرقت فيها الحياة نفسها، ووحدهم كبار السن صامدون، لأنه لا سبيل لهم للعيش إلّا في قراهم، لكنه عيش تحت سقف احتلال وحرب.

في توصيفها حياة أهلها في حولا، تقول الاختصاصية الاجتماعية رنا غنوي: “هي حياة تحت الاحتلال بكل معنى الكلمة، منزلي لا أستطيع معاينته، بعد أن بات الطريق إليه تحت سيطرة الإسرائيلي قرب موقع العباد، وكمية الرصاص التي عاينتها في باحته، دليل على أي مخاطرة تنتظرني إذا قررت زيارته مجددًا”.

الرعب ليس في طريق المنزل “غير المعبّد” اليوم أمام صاحبته، ابنة الأرض، وحسب، بل بمجرّد السكن في بلدة حولا. “ابن مرا بيسترجي يضهر بعد الساعة خمسة بعد الظهر من البيت”، تقول رنا، التي تعيش حالة قلق مستمر على أهلها الصامدين في حولا.

فكبار السن مجبرون، على مواجهة ظروف حرب علنية غير خفية، تضاف إليها شروط الانهيار اللبناني الذي عمّقته الحرب: لا كهرباء إلّا لمن لديهم طاقة شمسية، ولا ماء مع تعطّل شبكة المياه، والمدارس شبه خالية من الطلاب كما القرى شبه خالية من أهلها.

لكن الوضع الأمني أكثر صعوبة من الوضع “اللبناني” الهش بخدمات منقطعة. في السياق، تروي غنوي كيف تعطلت ماكينة الأوكسجين عن خالتها، فأُبلغ الجيش و “اليونيفل” بمجيء سيارة إسعاف من تبنين تنقلها من بلدة حولا، وتسأل: مين الجريء اللي بيقطع وادي السلوقي ليلًا بلا إذن؟ كلّ هذا في ظلّ غياب آليات الصمود البديهية: لا مستوصفات للدولة، لا مخافر، وتشويش على الاتصالات، عدا عن اضطرار أهلها قطع مسافة 4 كيلومترات لجلب الخضار وقوت يومهم.

“بموت رعب ع أهلي بالليل”، تقول رنا، وهي من سكان كفررمان-النبطية، وعملها في صيدا، وتصبح معاناتها مزدوجة كأم، إذ “أعود عند الثالثة والنصف من بعد الظهر لجلب الأولاد من المدرسة، “ولا مرّة بوصل وضربات قلبي طبيعية، لا بل إنني صرت أربط يوم الخميس بالغارات الحربية”.

التهجير بات واقعًا، وحدهم من لا يستطيعون الانتقال من كبار السن بقوا في قراهم. الناس نقلوا أشغالهم خارج المنطقة الحدودية: بدءًا ببائع الخضار وصولًا للمزارع الذي يمتلك رخصة زراعة التبغ، حيث انتقل عدد كبير منهم لقرى قضاءي صيدا وصور، ليستأجر أراضي ويستقرّ فيها. أساتذة متعاقدون وثابتون، استقرّوا في جبل لبنان حيث فرزتهم وزارة التربية في مدارس فيها، بل وحتى بعض سكان الضاحية ممّن استأجروا خارجها في الحرب منذ قرابة العام، لم يعودوا إليها إلى اليوم، فيما هناك شقق استؤجرت منذ قرابة الشهر احتياطيًا، تحسّبًا للاحتياج إليها مع تصاعد نطاق الضربات الإسرائيلية.

اقتصاد الجنوب بجزء كبير منه، ضرب اليوم بضربات إسرائيلية أو بفعل التهجير وغياب الاستقرار الأمني: كاقتصاد المفروشات واقتصاد الشاليهات الذي انتعش في السنوات الأخيرة قبل الحرب، فبات التهجير واقعًا، أما من بقي، فحضر “شنطة” الطوارئ، بانتظار فصل جديد من التهجير القسريّ.

الكاتب والناشط السياسي، محمد عثمان، الذي لم يترك منزله في بعلبك خلال الحرب، لا يخفي أننا “نعيش في دوّامة خوف لم تتوقف منذ 8 أكتوبر إلى اليوم: خوف على المستقبل، وخوف من تجدّد العنف، على وقع أصوات المسيّرات، ونسأل: هل تعود روائح الدم والبارود؟ وإلى متى سنبقى منساقين إلى مصائرنا المجهولة؟”. وعن حالة صمت جزء كبير من البيئة الشيعية، يعلّق عثمان: “الجميع خائف، لكن حالة النكران تمنع الإقرار بذلك، خشية من أن يكون إعلان الخوف إعلانًا للهزيمة، على قاعدة أننا دائمًا منتصرون، عدا الخوف من عدم تعويض “حزب اللّه” للمنازل المتضرّرة، فلا أهلها قادرون على الاستمرار بترداد شعار رد “حزب اللّه” على إسرائيل، ولا هم قادرون على المطالبة علانية بحصر السلاح بيد الدولة”.

الحرب حربان على المعارضين لـ “حزب اللّه” ضمن البيئة الشيعية، نسأل الناشط السياسي محمود شعيب، الذي تعرّض للتهديد مرارًا ومؤخرًا طوّق بيته، عن هذا الواقع، ليعلّق بالقول :”تمّ الاستقواء على زوجتي وبنتين صغيرتين، بعد ممارسات طويلة بالتحريض على قتلي، والحرب على أصحاب الرأي الحرّ، من لديهم رأي مخالف لحزب إيران في لبنان ويرفضون استعمال شيعة لبنان وقودًا لمشاريع إيرانية، لديهم خوفان: خوف من تجدّد الحرب، وخوف من حزب إيران ومرتزقته، وجديدهم كتيبة نساء ترسل الشتائم لمعارضي الحزب. من هنا، نطالب، بل ونصرّ على دخول الجيش اللبناني شمال الليطاني لضبط الأمن من جهة، ومنع تجدّد الحرب من جهة ثانية. فالجنوبيون باتوا على قناعة بأن إيران ورّطتهم بالحرب، ليكونوا خط دفاع أول عن سياسة طهران، وتيقنوا بأن السلاح بات عبئًا عليهم وهم يطالبون بالسلام”، مميزًا بين السلام كحالة عدم قتال والتطبيع المرفوض مع إسرائيل.