
علي الطاهر
بعد الخيام وقلعة الشقيف وبنت جبيل، جاء الدور على «علي الطاهر». التلال التي طالما أُحيطت بهالة عسكرية استثنائية، والأنفاق التي قُدّمت باعتبارها جزءًا من منظومة الردع التي لا تُخترق، باتت اليوم في عهدة الجيش الإسرائيلي، الذي أعلن استكمال ما سمّاه «تطهير» البنى التحتية تحت الأرض التابعة لـ«حزب الله» في مرتفعات علي الطاهر، مع استمرار العمل على تحييد ما اكتُشف منها. مما يعني حكمًا، توسعت المنطقة الصفراء إلى تخوم النبطية.
هكذا، تتساقط واحدة تلو الأخرى أساطير القوة التي احتاجت سنوات من الخطابات والتهويل لتُبنى، وتحتاج اليوم إلى أيام فقط لتنهار. علي الطاهر ليست مجرد نكسة ميدانية لميليشيا «حزب الله». إنها صفعة مباشرة لسردية «الردع» التي طالما بشّر بها اللبنانيين، وخصوصًا أنها ليست موقعًا هامشيًا في حساباته العسكرية، بل موقعًا ارتبط أيضًا بحسابات الحرس الثوري الإيراني في الجنوب اللبناني.
ولعلّ سقوط علي الطاهر يضع «حزب الله» أمام السؤال الذي يحاول الهروب منه منذ سنوات: ماذا بقي من «المقاومة» حين يصبح سلاحها عاجزًا عن حماية مواقعها، وعندما يتحول السلاح الذي قيل إنه يحمي لبنان إلى ذريعة لاستمرار الحرب على لبنان؟
لقد بدأت الخسائر تتراكم: موقعًا بعد موقع، ونفقًا بعد نفق، ومعادلة بعد أخرى. لذلك، فإن الرسالة بعد علي الطاهر يجب ألا تكون إلى إسرائيل، بل إلى «حزب الله» نفسه: سلّم سلاحك للدولة قبل أن تسلّمه إسرائيل للركام.
وفي التفاصيل، أعلن الجيش الإسرائيلي أن قوات الفرقة 36 عملت خلال الفترة الأخيرة على تطهير مسارين تحت الأرض في منطقة مرتفعات علي الطاهر، مشيرًا إلى أن القوات حققت سيطرة عملياتية على المنطقة فوق الأرض وتحتها. وجرى تطهير المنطقة من المخربين، مع الإشارة إلى مقتل عدد منهم وفرار آخرين من المنطقة. وقال الجيش الإسرائيلي إن قواته عثرت داخل البنى التحتية تحت الأرض على غرف عمليات، وغرف للوسائل القتالية، ومولدات كهرباء، وغرف للمكوث، إضافة إلى مرافق استحمام ومطبخ.
وكانت وكالة «رويترز» قد كشفت أن إيران حذّرت الولايات المتحدة من أنها ستردّ بقوة على أي هجوم إسرائيلي على تلة علي الطاهر في جنوب لبنان، حيث يتحصّن عسكريون إيرانيون إلى جانب مقاتلي «حزب الله». هذا التحذير العبثي، الذي يظهر فداحة وهم النظام الإيراني، ويُعدّ بمثابة انتهاك جديد للسيادة اللبنانية، يستدعي تحرك الدولة اللبنانية دبلوماسيًا وقانونيًا، لمساءلة إيران عن أي وجود عسكري لها على الأراضي اللبنانية، وعن كل ما ترتّب على تدخلها من كوارث وويلات دفع اللبنانيون أثمانها.
إذًا، في يوم واحد، بدت المفارقة بأوضح صورها: «الحزب» يخسر تلاله الاستراتيجية في علي الطاهر، والدولة تنتصر بدبلوماسيتها، تفاوض فتُحرّر خمسة أسرى.
فمن الناقورة، عاد أمس مالك كمال غازي إلى الحرية، على أن يلحق به اليوم أربعة أسرى آخرون ( علي شور، حسين عياش، أسعد الحسيكة ووسام إبراهيم الصماوي)، نتيجة متابعة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون مع الجانب الأميركي، وفي إطار المسار التفاوضي القائم في روما. وهنا تكمن الرسالة الأهم. فالإفراج عن الأسرى يشكّل أول ثمرة عملية لخيار الدولة في اعتماد القنوات الدبلوماسية، وتحديدًا المفاوضات بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي برعاية أميركية. وقد جاء هذا الإنجاز ليرد عمليًا على رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي ردّد أكثر من مرة: «خلّي حدا يحط على عيني، بعد سبع جولات من التفاوض، ويفرّجيني إنجاز واحد». فجاءه الجواب هذه المرة من بوابة الناقورة.