الخميس 18 ذو الحجة 1447 ﻫ - 4 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

2020-2005: خُمس عمر الدولة واللبنانيين ضاع بتشكيل الحكومات

نادر فوز - المدن
A A A
طباعة المقال

مرّ 11 يوماً على تكليف الرئيس سعد الحريري بمهمّة تشكيل الحكومة العتيدة، والعدّاد مستمرّ بتسجيل الأرقام والأيام. سبق للسلطة الحاكمة أن وعدتنا، بحسب الأجواء التي ترشح عنها بشكل دوري ووفق آليات معتمدة، بأنّ لا حكومة في لبنان قبل الانتخابات الأميركية. ومع اقتراب هذا الموعد، وفق الأجواء نفسها، يجب انتظار انعكاس نتائج تلك الانتخابيات وما سينتج عنها في ما يخص المنطقة، إيران وحزب الله وسوريا تحديداً. لذا، يمكن القول إنّ تشكيل الحكومة مؤجّل، وكذلك الإنقاذ المفترض أن تأتي به في ظلّ ترنّح مستمرّ في قعر سوء الأوضاع المعاشة على مختلف الأصعدة. ترقّب على المستوى الدولي، تقابله سياسة هدامة بلغة التعطيل والعرقلة بعناوين داخلية مختلفة، أولها السعي الدائم إلى رسم المحاصصة وضمان “صحّة” تمثيل الطوائف والكتل النيابية. فتغلّف الظروف الخارجية تلك الداخلية، أو العكس، وتنتج أزمة مستمرة ودائمة في تشكيل الحكومات. ولو أنّ الوضع المحلي اليوم داهم نتيجة الإفلاس والانهيارات، يبقى أنّ الوضع على حاله من دون أي تعديل في أداء الفيالق السياسية المشاركة في الحكم وفرق طبّاخيها.

وصفات سياسية سامة
يشير القاموس اللبناني، عند كل استحقاق لتشكيل الحكومة، إلى جملة من العبارات منها “احتراق الطبخة الحكومية” و”توليفة وزارية” و”على نارٍ هادئة” و”شيطان تفاصيل المقاعد الوزارية” وغيرها. كما لو أنّ من في السلطة يعملون على إعداد وصفة سياسية فعلية، في حين أنّ المنطق هو نفسه في تقسيم المقاعد والوزارات وأنّ الحكومات تأتي ببيانات وزارية محدّثة تنطلق من جوهر واحد. وهي وصفات تبيّن للجميع أنها غير صالحة للأكل. وإن أُكلت تكون عصيّة على الهضم، فتنشر سمومها في الجمهورية ومؤسساتها وإداراتها.

الميثاقية.. عنوان التعطيل
تفاقم مفهوم “الميثاقية” خلال الساعات الأخيرة، في باب جديد لتعطيل الحكومة العتيدة. عقدة درزية وأخرى خاصة بالروم الكاثوليك، تزيدان الوضع الحكومي تعقيداً. مطالبة من فريق 8 آذار بزيادة التمثيل الدرزي من مقعد إلى اثنين، لتمثيل الحليف الدرزي النائب طلال إرسلان من جهة، بحجة أنّ انسحاب ممثل زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي يمكن أن يخلّ بميثاقية الحكومة. وفي الإطار نفسه، مطالبة من البطريرك يوسف العبسي بتمثيل الطائفة وضمان تمثيلها. وفي العقدتين شبح تعطيل وعرقلة لا أكثر، على اعتبار أنّ لا ميثاقية يمسّ بها ولو تم التغاضي عن العقدتين. والدستور واضح في هذا الإطار، في المادة الـ95 منه التي تنصّ على المناصفة بين المسييحين والمسلمين.

مفهوم التعطيل
هكذا تنضمّ حجة “الميثاقية” إلى سلسلة الحجج الأخرى التي تدخل في مفهوم التعطيل وترجمته في الحياة السياسية. وأغلبها حجج مبتدعة، غير قانونية وغير دستورية، وهي حجج سياسية بالكامل تهدف إلى السيطرة والإقصاء وفرض القرارات وإعاقة أخرى. فللتعطيل قاموسه أيضاً الذي يحوي على عبارات تمّ تشريعها وقوننتها على شكل أعراف. منها “الوزير الملك” و”الثلث الضامن (المعطّل)”، “بيضة القبّان” و”حصة رئيس الجمهورية”، ومؤخراً “الميثاقية”. وكل سيرة التعطيل تصدر عن فريق 8 آذار، تحديداً ثلاثي الحكم الحالي والسابق والدائم، ثنائي حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحرّ. فكانت في الأسابيع الأخيرة حجة “شيعية وزارة المال”، ونمط تعطيلي على مدى أكثر من عقد انتهجه التيار الوطني ورئيسه حينها النائب ميشال عون لتوزير صهره المرشّح الخاسر جبران باسيل.

سيرة تعطيل الحكومات
التعطيل الحكومي والسياسي في لبنان، على مدى 15 عاماً، يستحقّ التوقف عنده وتستوجب مراجعة تفاصيله وفتراته. حكومة تصريف الأعمال، الرئيس حسان دياب، كلّف الأخير بتشكيلها يوم 19 كانون الأول 2019 وشكّلها في 21 كانون الثاني 2020‏‎، أي حكومة من لون واحد استوجب تأليفها 34 يوماً. حكومة الرئيس الحريري الثانية في عهد الرئيس عون، كلّف بها الحريري في 24 أيار 2018 وشكّلها يوم 31 كانون الثاني 2019، بعد 8 أشهر و8 أيام. وحكومته الأولى في العهد، تشكّلت بعد 46 يوماً فصلت بين تكليفه في 3 تشرين الثاني 2016 وإصدار مراسيم التشكيل يوم 18 كانون الأول 2016. أما المأساة الفعلية، فعاشها الرئيس تمام سلام، في آخر حكومات الرئيس ميشال سليمان، إذ كلّف سلام بالتشكيل يوم 6 نيسان 2013 وأنجز مهمته في 15 شباط 2014 بعد 10 أشهر و10 أيام. وقبلها، سيناريو مماثل عاشه الرئيس نجيب ميقاتي الذي شكّل “حكومة اللون الواحد” بغضون 5 أشهر و13 يوماً، بين 25 كانون الثاني 2011 موعد لتكليفه و13 حزيران 2011 إعلان التشكيل. وكذلك كانت حال الحكومة التوافقية التي شكّلها الرئيس الحريري عام 2009، إذ كلّف يوم 9 حزيران وشكّل بعد 5 أشهر في 9 تشرين الثاني من العام نفسه. وسبقتها حكومتا الرئيس فؤاد السنيورة، الثانية التي استوجب تشكيلها 45 يومياً بين 28 أيار و11 تموز، والأولى عشرين يوماً بين 30 حزيران و19 تموز 2005.

أرقام بليغة
في قراة الأرقام السابقة، استغرق تشكيل الحكومات المتعاقبة بين 2005 و2020 (مع عدم احتساب الأيام الحالية الضائعة في تشكيل حكومة الرئيس الحريري العتيدة)، 28 شهراً و176 يوماً. أي 33 شهراً و26 يوماً. أي سنتين و9 أشهر و26 يوماً. وإذا احتسبنا تقريبياً أنّ سيرة تعطيل تشكيل الحكومات امتدّت على سنتين و10 أشهر في 15 عاماً، أي أنّ 19% من هذا الزمن كانت الحكومات تقوم بمهمة تصريف الأعمال، هذا من دون احتساب أيضاً تعطيل جلسات مجلس الوزراء في الحكومات القائمة وأزمة حكومة الرئيس تمام سلام خلال فترة الفراغ الرئاسي حين امتلك كل وزير حق الفيتو ولم تصدر القرارات على مدى أشهر. وفي عهد الرئيس عون، تحديداً بعد 17 تشرين، يمكن إطالة أمد فترات العرقلة والتعطيل هذه في حال احتساب الأسابيع التي أضاعها أيضاً الرئيس قبل دعوته إلى الاستشارات النيابية لتكليف رئيس جديد للحكومة. وهو ضرب إضافي للدستور وسير عجلة المؤسسات، من باب تكريس التوافق أو التفاهم الأوليّين مع الرئيس المكلّف قبل إطلاق مهمّة تشكيل الحكومة.

كل هذا الوقت وكل هذا التعطيل وكل هذه العرقلة ليكون واقع الحال كما هو معاش اليوم في الإفلاس والانهيار. سيرة السلطة اللبنانية، على مدى 15 عاماً من التعطيل والعرقلة والوقت الضائع، خلاصة أنّ التركيبة الحاكمة وُجدت لتعرقل وتولّد الأزمات لا لتدير البلد وتنتشله من واقعه السيء. أضاعت خُمس وقت اللبنانيين طوال هذه الفترة، وتستمرّ بذلك إلى اليوم بصيغة عيش مشترك مزيّف وديموقراطية ملبسّة بالتوافق مع استخراج إبداعات القاموس السياسي اللبناني الخاوي الذي ليس فيه إلا عبارات تلطيف واقع التعطيل والبلطجة والمحاصصة.