
الرئيس السوري أحمد الشرع والرئيس الأمريكي دونالد ترامب
تابعت مقابلة الرئيس السوري أحمد الشرع على قناة الجزيرة في برنامج المقابلة باهتمام، ولم أشاهد مجرد حوار سياسي، بل رأيت ملامح مشروع واضح لسوريا الجديدة. منذ سنوات طويلة، لم أسمع ولم أتخيل أن أسمع رئيساً سورياً يتحدث بهذه الصراحة عن الدولة، والسيادة، وبناء المستقبل، بعيداً عن لغة الميليشيات، والمحاور، والشعارات التي لم تجلب لسوريا سوى الدمار.
أعتقد أن التاريخ سيكون منصفاً مع السيد الرئيس أحمد الشرع، وسيذكره باعتباره الرجل الذي قاد سوريا في أصعب مراحلها، ووضعها على طريق الخروج من عقود من الحروب والانقسام والعزلة. فقيادة بلد خرج من حرب مدمرة ليست مهمة عادية، بل مسؤولية تاريخية تتطلب شجاعة في اتخاذ القرار، ووضوحاً في الرؤية، وإيماناً بأن الدولة هي الحل الوحيد.
أكثر ما لفتني في حديث فخامة الرئيس هو إصراره على أن القرار السوري يجب أن يبقى سورياً، وأن مصلحة الشعب والدولة تتقدم على أي مشروع خارجي أو ولاء عابر للحدود. هذه ليست مجرد مواقف سياسية، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الدول القوية والمستقرة.
ومن وجهة نظري، فإن أحد أهم الإنجازات التي بدأت تتبلور هي إنهاء المرحلة التي تحولت فيها سوريا إلى ساحة نفوذ للمشروع الإيراني وميليشياته. لقد دفعت سوريا ثمناً باهظاً بسبب تحويل أراضيها إلى ساحة لصراعات الآخرين، وحان الوقت لتستعيد قرارها الوطني، وأن تعود دمشق عاصمة لدولة مستقلة، لا مركزاً لإدارة مشاريع إقليمية لا تخدم السوريين.
إن كسر نفوذ الميليشيات ليس انتصاراً على طرف بعينه، بل انتصار لفكرة الدولة نفسها. فلا يمكن أن تنهض أي دولة بينما يتقاسم السلاح والقرار أكثر من طرف، ولا يمكن أن يتحقق الاستقرار الحقيقي إلا عندما تكون الدولة وحدها صاحبة القرار والسيادة والقوة.
وأنا على يقين بأن سوريا قادرة على استعادة مكانتها العربية والإقليمية إذا استمرت بهذا النهج. فسوريا ليست بلداً عادياً في المنطقة، بل دولة تمتلك تاريخاً وحضارة وثقلاً سياسياً يجعلها لاعباً أساسياً متى استعادت استقرارها ووحدتها. وما أراه اليوم هو بداية عودة هذا الدور، عبر سياسة أكثر واقعية، وانفتاحاً، وتركيزاً على مصالح الشعب السوري أولاً.
لا أحد يدّعي أن الطريق سهل. فما خلفته سنوات الحرب لا يمكن معالجته في أشهر أو حتى سنوات قليلة. لكن بناء الدول يبدأ دائماً بوجود قيادة تعرف إلى أين تريد أن تصل، وتمتلك الجرأة لاتخاذ القرارات التي قد تكون صعبة اليوم، لكنها تصنع مستقبل الأجيال القادمة.
ومن أكثر ما شدّ انتباهي في المقابلة حديث الرئيس أحمد الشرع عن لبنان، وإصراره على أن يكون السلاح محصوراً بيد الدولة، ورفضه لأي سلاح خارج إطار المؤسسات الشرعية.
بالنسبة لي، لا يعكس هذا الموقف تدخلاً في الشأن اللبناني، بل يعكس قناعة مبدئية بأن استقرار أي دولة عربية لا يتحقق إلا عندما تكون الدولة وحدها صاحبة القرار والسيادة. لقد فهمت من كلامه أنه لا يريد للبنان إلا ما يريده لسوريا: دولة قوية، مستقلة، لا تتحكم بها الميليشيات ولا تخضع لأي نفوذ خارجي.
وهذا، برأيي، يبعث برسالة مهمة إلى جميع الدول العربية، مفادها أن سوريا الجديدة لا تسعى إلى تصدير الأزمات أو فرض الوصاية على أحد، بل تريد بناء علاقات تقوم على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتعاون بين الدول ذات السيادة. وفي المقابل، كان واضحاً أيضاً أن سوريا لن تقبل بعد اليوم بأن تُستغل أراضيها أو حدودها أو أمن شعبها لخدمة أي مشروع خارجي أو لأي نشاط يهدد أمنها واستقرارها.
هذه هي المعادلة التي أراها في خطاب الرئيس أحمد الشرع: احترام سيادة الآخرين، مقابل احترام سيادة سوريا، وبناء شرق عربي أكثر استقراراً، تكون فيه الدولة فوق الجميع، والقانون فوق السلاح، ومصلحة الشعوب فوق مصالح المحاور.
لهذا أؤمن بأن السنوات المقبلة ستؤكد أن ما تشهده سوريا اليوم ليس مجرد مرحلة انتقالية، بل بداية نهضة وطنية حقيقية. وإذا استمر هذا المسار ونجح في تحقيق أهدافه، فإن الرئيس أحمد الشرع لن يُذكر كرئيس قاد مرحلة سياسية فحسب، بل كرجل أعاد توحيد سوريا، وأعاد للدولة هيبتها، وأطلق عملية استعادة دورها العربي والإقليمي، وطوى صفحة طويلة من الوصاية والميليشيات، ليفتح صفحة جديدة عنوانها الدولة والسيادة والمستقبل.