
مدرسة -تعبيرية
ارتفع مؤشر الأسعار في لبنان بنسبة 15.69 في المئة، وفق إدارة الإحصاء المركزي، ولا بد أن تكون لهذا الرقم انعكاسات مباشرة على مختلف القطاعات، ومن بينها قطاع المدارس والتعليم، الذي يواجه تحديات كبرى مع بدء العام الدراسي الجديد.
قطاع يشكو، وفي المقابل أهل يئنون تحت أعباء مالية تكاد تقصم ظهورهم، وأساتذة يطالبون بحقوق عادلة. مواجهة تمر بسلاسة وتعاون حيناً، وتتخذ منحى أكثر حدة حيناً آخر. الكل في مأزق، وإن بدرجات متفاوتة، فيما تبدو وزارة التربية شبه غائبة عن مآزق التعليم الخاص.
لم يكد الأهالي يستفيقون من صدمة أسعار مولدات الكهرباء لشهر تموز، حتى جاءت صدمة أخرى مزلزلة تمثلت في زيادة الأقساط في عدد كبير من المدارس قبل بدء الفصل الأول. ولم يكن هذا العبء الوحيد الذي يواجههم، بل أتت معه زيادة على كل ما يتعلق بالعودة إلى المدرسة، بدءاً من الكتب إلى الزي المدرسي، مروراً بالقرطاسية والحقائب المدرسية وحتى «اللانش بوكس»، وصولاً إلى الطامة الكبرى، وهي كلفة النقل المدرسي التي تصاعدت مع تصاعد سعر البنزين.
وبررت المدارس هذه الزيادات بارتفاع الأسعار وتحسين رواتب الأساتذة، فيما رأت فيها لجان الأهل تعسفاً وتحايلاً على القوانين وظلماً للأهالي.
وأكدت رئيسة اتحاد لجان الأهل في المدارس الخاصة لمى الطويل، في حديث إلى «نداء الوطن»، أن غالبية المدارس الخاصة فرضت زيادة على الأقساط، في سيناريو يتكرر كل عام من دون أي تدخل من وزيرة التربية، ولا من مجلس النواب لمساءلة الوزير حين لا يقوم بواجباته. وتساءلت كيف تسمح وزارة التربية بإقرار زيادة على الأقساط قبل دراسة الموازنة المدرسية من قبل لجان الأهل في الفصل الدراسي الأول.
وتقول الطويل إن بعض المدارس تتحجج بأن لجان الأهل قد وافقت على الزيادة، لكن قانونياً لا يحق لهذه اللجان الموافقة على أي زيادة قبل إقرار موازنة المدرسة في الفصل الأول.
وتقدم المدرسة الموازنة إلى الهيئة المالية في لجنة الأهل، وتتضمن المصاريف التشغيلية للمدرسة والرواتب والأجور للمعلمين والموظفين. وبعد دراسة التكاليف والموافقة عليها، تقوم الهيئة المالية بقسمتها على عدد الطلاب، فتتحدد بذلك قيمة القسط المدرسي، ولا يمكن للمدارس تحديد الزيادة مسبقاً قبل بدء العام الدراسي.
وفي حال اعترضت اللجنة على الموازنة ولم توقعها، ترسل إلى مصلحة التعليم الخاص في وزارة التربية لتدقيقها وتحديد القسط وفقاً للمادة 13 من القانون 515. وفي حال لم تستجب المدرسة، يتم تحويل القضية إلى المجلس التحكيمي التربوي، أي القضاء التربوي، الذي رأى النور اليوم بعد 15 عاماً من المطالبات بإنشائه.
معركة الأقساط بين المدارس والأهل
على أرض الواقع، ووفق ما يتداوله الأهالي، فإن الزيادات المطروحة تتراوح بين 15 و30 في المئة، بحيث باتت الأقساط تتراوح بين 1700 و3000 دولار في المدارس الصغيرة، وبين 3000 و5000 دولار في المدارس المتوسطة، فيما تتخطى بسهولة عتبة 8000 دولار في المدارس العالية المستوى.
وليس هذا وحده ما يشكو منه الأهالي، بل يشكل «الأوتوكار» عبئاً كبيراً، بعدما بلغ ارتفاع سعر البنزين بين تموز الماضي وتموز هذا العام نحو 68 في المئة.
وتقول إحدى الأمهات إن المشكلة تكمن أيضاً في تغيير نسخ الكتب بين عام وآخر، حتى لا يستفيد التلامذة الأصغر من كتب الإخوة الأكبر، وذلك بالتوافق بين المدارس ودور النشر. هذا عدا أسعار الكتب الأجنبية، ولا سيما الفرنسية منها، التي ارتفعت بشكل كبير لأسباب عدة، منها كلفة الشحن.
أما الزي المدرسي فحدث ولا حرج، إذ تعمد بعض المدارس إلى التعاقد مع ماركات محلية معروفة وتسعير الزي وفقاً لذلك، بحيث تخطى سعر «الهودي» في إحدى المدارس 65 دولاراً.
ولكن لا يمكن تعميم هذه الخروقات على كل المدارس، إذ إن بعضها رفض تجديد نسخ الكتب، وعمد إلى توحيد الزي المدرسي واعتماد صناعة صينية للحفاظ على سعر معقول، وليستفيد منه الإخوة، كما تقول رئيسة إحدى المدارس الكاثوليكية المعروفة.
والمدارس التي فرضت زيادات على الأقساط تتحجج بأنها مضطرة إلى ذلك لتتمكن من إعطاء المعلمين 100 في المئة من قيمة الرواتب التي كانت عليها في عام 2019. لكن نقيب المعلمين نعمة محفوض صرح في أكثر من مناسبة بأن رواتب المعلمين لم تصل إلى ما كانت عليه سابقاً.
وهذا ما تؤكده إحدى المعلمات، قائلة إن زيادة رواتبهم أتت بالتدريج منذ ثلاث سنوات، ووصلت اليوم إلى 80 في المئة، ورغم وعود إدارة المدرسة، التي عادت أقساطها إلى ما كانت عليه قبل الأزمة، لم تعد الرواتب بعد إلى قيمتها السابقة.
من جهتها، تقول لمى الطويل إن المدارس، إضافة إلى التحجج بزيادة رواتب الأساتذة وارتفاع سعر المازوت والكلفة التشغيلية، تشكو من أن كثيراً من الأهالي لم يسددوا كامل الأقساط في السنة الماضية.
وهنا تؤكد الطويل أن المدرسة يمكن أن تتوجه إلى القضاء التربوي لنيل حقها، وليس تحميل الأهل الباقين هذا الغبن اللاحق بها.
وتجدر الإشارة إلى أن القضاء التربوي هو قضاء سريع وموجود في كل المناطق، ويمكن للمدرسة ولجان الأهل، كما أولياء الأمور، التوجه إليه لحل الخلافات في ما بينهم.
ولكن إذا كان القضاء ينصف المتضررين، رغم الضغوط التي تمارس أحياناً على بعض القضاة، فإن الشكاوى التي تقدم إلى وزارة التربية تواجه ضغوطاً سياسية ودينية، ولا تصل إلى مكان، وفق ما تقول رئيسة اتحاد لجان الأهل في المدارس الخاصة.
وتؤكد أن وزيرة التربية مدعوة اليوم إلى إصدار قرار يمنع أي زيادة على الأقساط قبل إقرار الموازنة المدرسية، لكن الحجة الدائمة أن مصلحة التعليم الخاص في الوزارة لا تملك الكادر البشري الكافي للتدقيق في موازنات المدارس الخاصة.
وفي غياب المراقبة الفعلية، تقوم بعض المدارس بفرض زيادات عشوائية وغير مبررة، وكثيراً ما تمتنع عن تسليم القيود إلى لجان الأهل لدراستها بجدية. وهكذا يدور الجميع في حلقة مفرغة لا مخرج منها.
عدد قليل من المدارس الخاصة لم يفرض أي زيادة بعد في السنة الحالية، كونه فرض زيادة في العام الماضي.
وفي هذا السياق، تقول مها قاسم، وهي مديرة إحدى المدارس الخاصة، إن زيادة الأقساط هذا العام تحديداً مبررة وضرورية، ولا يمكن الادعاء، كما جرت العادة، بجشع المدارس.
وتضيف أن ثمة مدارس فرضت زيادات عالية تفوق 30 أو 35 في المئة، وهذه في الحقيقة زيادات مبالغ فيها وغير مبررة، لكن المدارس مضطرة إلى أخذ نسبة غلاء كل مستلزمات التشغيل في الاعتبار، من دون أن يكون ذلك حجة لتحصيل المزيد من الأرباح.
وتوضح قاسم أن الزيادة التي تقوم بها المدرسة تفرضها زيادة أجور معلميها وموظفيها، للحفاظ عليهم وتجنب انتقالهم إلى مدارس أخرى أكبر وأهم تدفع أكثر.
كذلك، هناك عامل مهم جداً، وهو النسبة التي تدفعها المدارس إلى صندوق التعويضات بعد أن ارتفعت الأجور. فالحد الأدنى ارتفع إلى 28 مليوناً، ويمكن أن يصل إلى 45 مليوناً أو حتى 65 مليوناً، والمدرسة تدفع 12.5 في المئة عن الأساتذة و25 في المئة عن الموظفين لصندوق التعويضات.
وهذا الفارق، الذي تعدت نسبته 100 في المئة، والذي تدفعه المدرسة لصندوق الضمان وصندوق التعويضات، لا يمكن تغطيته إلا من الأقساط.
إلى هذا تضاف الكلفة التشغيلية والصيانة والحراسة وغلاء البنزين والمازوت وكلفة الكهرباء، ولا سيما المولدات. وإذا كان سعر البنزين لا يدخل مباشرة في الأقساط، إلا أنه يؤثر على بدل النقل الذي يناله الأساتذة، والذي يتوقع أن يرتفع أيضاً مع ارتفاع سعر البنزين.
ومع دخول التكنولوجيا إلى المناهج الدراسية، اضطرت المدارس إلى إدخال الذكاء الاصطناعي والروبوتيك إلى تجهيزاتها، ما يفرض على كل تلميذ كلفة تقارب 100 دولار. وكذلك ارتفعت كلفة شراء المنصات الإلكترونية التي تستعملها المدرسة، مثل «إي سكول»، وتخصصها لكل تلميذ.
وتتابع قاسم سرد كل التكاليف التي زادت على المدارس، ومنها التأمين الذي ارتفع بنسبة تقارب الثلثين عن السابق.
كما أن عدد الطلاب أخذ في التراجع في المدارس بسبب تدهور الوضع المادي للأهل وعدم قدرتهم على تحمل كلفة زيادة الأقساط، ما يدفعهم إلى الانتقال إلى مدارس رسمية. وحين ينخفض عدد الطلاب، يتم توزيع الموازنة على من تبقى، وبالتالي ترتفع الأقساط على هؤلاء، لتتمكن المدرسة من تغطية الكلفة التشغيلية التي لم تتغير، بل ازدادت.
وزارة التربية خارج المعادلة؟
وزارة التربية تبدو وكأنها تقف متفرجة، لا دور لها ولا مؤنة على المدارس الخاصة. هي تسن القوانين وتهدد المدارس بأنها لن تقبل بأي زيادات غير مبررة، لكنها في الواقع لا تتخذ أي إجراء عملي أو تأديبي، ولا تقوم بالتفتيش أو المراقبة، ما يعزز الفلتان التربوي ويجعل كل مدرسة تتصرف على هواها.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه، رغم الظروف القاسية التي مرت بها مناطق لبنانية عدة، فإن المدارس فيها لم تراع وضع الأهالي كما هو متوقع. وبعض المدارس الكاثوليكية في الجنوب طالبت بالأقساط كاملة، رغم توقف الدراسة لفترات طويلة، فيما رفضت مدارس المهدي التابعة لـ«حزب الله» تسجيل الطلاب للسنة الحالية ما لم يسددوا أقساط السنة السابقة بالكامل.
وبين وضع البلد والغلاء المستشري فيه، وبين إدارات المدارس ومطالبات الأساتذة، يبدو الأهل الحلقة الأضعف، وتبدو العودة إلى المدرسة كابوساً أسوأ ما فيه أنه لا مفر منه ولا بديل عنه.