الأثنين 22 ذو الحجة 1447 ﻫ - 8 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

اتفاق بلا ضمانات وحرب بلا سقف

منذ انطلاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، لم يكن الهدوء أكثر من هشاشة مؤطَّرة بتهديدات متبادلة. ثم جاء قصف الضاحية الجنوبية في آذار الماضي 2025 ليكسر رمزية ذلك الوقف للمرة الأولى، في خضم جدل متصاعد حول المسؤولية والذرائع. وعلى مدى الأشهر التالية، تصاعد نزيف الدم البطيء، فوثّقت مصادر دولية أكثر من مائتي قتيل وخمسمائة جريح جراء آلاف الخروقات التي لم تتوقف.

وفي نيسان، حاولت واشنطن إعادة تأطير الأزمة عبر وقف جديد للنار، وُصف بأنه محاولة لاحتواء التصعيد وفتح نافذة لمسار تفاوضي برعاية أميركية. غير أن هذا الوقف الهش اصطدم فوراً بجدار المواقف المتباينة، ليدخل لبنان في متاهة جديدة من التفاوض تحت النار.

• الجولة الرابعة: واشنطن بين ضغط الساعة وثقل المواقف

في الثاني والثالث من حزيران الجاري، انطلقت الجولة الرابعة من المفاوضات المباشرة بين المسؤولين الإسرائيليين واللبنانيين في واشنطن. وقد ذهب كل طرف إلى الطاولة وهو يحمل سقفاً مختلفاً جذرياً. لبنان دخل المفاوضات بثوابت واضحة تشمل تثبيت وقف إطلاق النار، ووقف الاعتداءات، والانسحاب الإسرائيلي من النقاط المحتلة في الجنوب، وعودة المهجَّرين إلى بلداتهم وقراهم. في المقابل، سبقت إسرائيل الجولةَ بتصعيد ميداني واسع في الجنوب، وذهبت إلى الطاولة وهي تحاول فرض جدول أعمال يبدأ من ملف نزع السلاح لا من وقف النار، مستخدمةً الضغط الميداني ورقةَ تفاوضٍ لا وسيلةَ ردعٍ دفاعية.
وقد امتدت جلسات اليومين قرابة تسع ساعات متواصلة، في أجواء وصفتها مصادر مطّلعة بالشديدة التعقيد، إذ لم يتحقق أي خرق جوهري في المواقف خلال معظم ساعات التفاوض.

• الاتفاق: إنجاز ناقص أم تسوية ملغومة؟

في الرابع من الجاري، أعلنت الولايات المتحدة التوصل إلى اتفاق بين إسرائيل ولبنان لوقف إطلاق النار. لكن النظر في تفاصيل هذا الاتفاق يكشف عن طبيعته الإشكالية العميقة. فهو يشترط وقفاً كاملاً لإطلاق النار من جانب حزب الله، وإجلاء جميع عناصره من المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، فضلاً عن إنشاء مناطق تجريبية يتولى فيها الجيش اللبناني السيطرة الحصرية، مع استبعاد كامل للجهات المسلحة غير التابعة للدولة منها.

والأكثر إشكالية في الاتفاق هو البند المتعلق بحق «الدفاع عن النفس»، الذي يُبقي لإسرائيل صلاحية اتخاذ ما تصفه بالتدابير العسكرية اللازمة في أي وقت وضد أي هجوم تراه وشيكاً أو قائماً، دون أن يحول وقف الأعمال العدائية دون ممارسة هذا الحق. وهو ما يصفه المنتقدون بـ«الثغرة الكارثية» التي تمنح إسرائيل مفتاحاً مفتوحاً لتجاوز الاتفاق متى شاءت وتحت أي ذريعة.

• القراءة الأولى: الرفض كذريعة للاستنزاف والتوسّع

يرى فريق من المحللين أن إغراق المسودات بالشروط والتحفّظات قدّم لتل أبيب الغطاء السياسي والزمني اللازم لمواصلة حملتها التدميرية. فطالما بقيت الفجوة التفاوضية قائمة، واصلت إسرائيل قضم القرى والبلدات وفرض وقائع ميدانية يصعب تغييرها، معلنةً صراحةً عن نيّتها فرض واقع أمني جديد جنوب الليطاني يُخضع المنطقة لسيطرتها.
وفي هذا السياق، يُطرح ربط الملفات وتعليق القبول بالمعروض الدولي بوصفه مغامرة عالية الكلفة بشرياً وعمرانياً، لا سيما أن الوقت الضائع في التفاوض يُحوَّل إلى وقائع أرضية تُثقل كاهل أي مفاوض مستقبلي، وتجعل العودة إلى نقطة الصفر أمراً مستحيلاً.

• القراءة الثانية: الدفاع عن الخطوط الحمر السيادية

في المقابل، يرى الفريق الثاني أن الشروط المُدرجة في الاتفاق لا تمثل حلاً متوازناً، بل تنطوي على معادلة مجحفة تُطلب فيها من طرف واحد تنازلات فورية وملموسة، في مقابل ضمانات أميركية بالغة الهشاشة لا تُلزم الطرف الآخر بشيء. فاشتراط إجلاء عناصر الحزب من جنوب الليطاني مع احتفاظ إسرائيل بحق التدخل العسكري متى شاءت يعني عملياً أن وقف النار ليس معادلة متوازنة، بل إملاء من طرف يستمد قوته من الضغط الميداني الأقصى.
ويستند أصحاب هذه الرؤية إلى ما كشفه مسؤولون أميركيون أنفسهم من أنهم لا يعتقدون أن نتنياهو سيوافق على وقف شامل لإطلاق النار، مما يجعل قبول الشروط المطروحة استسلاماً بدل تسوية، ويُفقد الاتفاقَ شرطَه الجوهري المتمثل في المعاملة بالمثل.

• الديناميكيات المعقّدة: واشنطن وسيطاً أم طرفاً؟

يُضيف البُعد الأميركي الداخلي طبقة جديدة من التعقيد على المشهد. فمن جهة، تقدم واشنطن نفسها وسيطاً ضامناً للاتفاق. لكن من جهة أخرى، لا يتردد مسؤولوها في وصف حزب الله بأنه «عدو للبنان» قبل أن يكون عدواً لإسرائيل أو أميركا، وهو توصيف يكشف عن انحياز مسبق يُضعف صدقية الوسيط في نظر طرف أساسي من أطراف النزاع.
وفي الوقت ذاته، تعلن واشنطن التزامها بدعم القوات المسلحة اللبنانية وتعزيز قدراتها، وهو مسار لا يتعارض رسمياً مع السيادة اللبنانية، لكنه يعني ضمنياً إعادة رسم خريطة التوازنات الداخلية تحت غطاء دعم مؤسسات الدولة، مما يحوّل المسألة الأمنية إلى ورقة ضغط سياسية داخلية بامتياز.

• استحقاق 22 حزيران والاختبار الحقيقي

اتفق الجانبان على استئناف المفاوضات المتعلقة بالمسارات السياسية والأمنية خلال الأسبوع الذي يبدأ في الثاني والعشرين من حزيران، بهدف التوصل إلى اتفاق شامل ونهائي. غير أن هذا الموعد يحمل في طياته رهانات بالغة الخطورة. فملفا سلاح حزب الله والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة لا يزالان معلَّقَين، وكلاهما كفيل بتفجير أي تسوية إذا لم تتوفر إرادة حقيقية للتنازل من الطرفين، وهي إرادة لا تبدو في الأفق حتى الساعة.

يكشف المشهد اللبناني في مجمله عن ثلاث حقائق صلبة لا تقبل المراوغة:
– أولاً: ليس الاتفاق المُعلَن في الرابع من حزيران سلاماً، بل هو وقف نار مشروط بشرط. وفارق الشرط هنا جوهري لا شكلي، إذ طالما أن إسرائيل تحتفظ بذريعة الدفاع عن النفس لتجاوز الاتفاق، وطالما يبقى الوفاء بالشروط المطلوبة موضع جدل، فإن النار ستظل جمراً تحت الرماد.
– ثانياً: معادلة التفاوض تحت الضغط الميداني لا تُنتج اتفاقات راسخة، بل تُنتج هدنات هشة تُغري الطرف الأقوى ميدانياً بالمزيد من الضغط لانتزاع مزيد من التنازلات، في دوامة لا تنتهي. – ثالثاً: الفجوة بين ما يُوقَّع في قاعات واشنطن وما يجري على أرض الجنوب لا تزال واسعة. وبين دبلوماسية تُصاغ بنودها بعيداً عن الميدان وحرب تُخاض بنيرانها فوق الرؤوس، يبقى المدنيون اللبنانيون معلقين في المنطقة الرمادية بين الاتفاق والتنفيذ، وهي منطقة باتت في أحيان كثيرة أشدّ فتكاً من الحرب الصريحة.