
عمليات بحث بين الأنقاض في موقع غارة إسرائيلية في دير الزهراني في 15 أغسطس 2026 (أ ف ب)
كتبت صحيفة «النهار» أن التطورات الميدانية الخطيرة في الجنوب اللبناني تطرح تساؤلات جدية حول مصير الجهود الأميركية الرامية إلى دفع تنفيذ الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، في وقت تحاصر التعقيدات الميدانية والصعوبات الديبلوماسية فرص إحراز أي تقدم في المرحلة الأهم من الاتفاق، ولا سيما ما يتصل بالمناطق التجريبية.
وقالت الصحيفة إن الجنوب اللبناني شهد أوسع موجة تصعيد ميداني منذ إعلان الاتفاق الإطاري في 26 حزيران الماضي، وسط مؤشرات إلى احتمال اتساع المواجهة، ولا سيما في مرتفع علي الطاهر ومحيطه. وأشارت إلى أن التصعيد الإسرائيلي العنيف أعاد مشهد النزوح من الجنوب، فيما سقط عدد كبير من الضحايا المدنيين، الأمر الذي زاد المخاوف من انزلاق الوضع نحو مواجهة أوسع.
وفي أبرز التطورات، شن الطيران الإسرائيلي فجر أمس غارة على بلدة أنصار في قضاء النبطية، استهدفت منزلاً مأهولاً بالسكان، ما أدى إلى تدميره وسقوط قتلى وجرحى. وأعلنت وزارة الصحة في حصيلة نهائية استشهاد سبعة أشخاص، بينهم ثلاثة أطفال وامرأتان.
كما أغارت الطائرات الحربية الإسرائيلية على أطراف النبطية الفوقا، مستهدفة منزلاً خلف ثانوية الصباح القديمة، فيما شهدت قرى في قضاء النبطية حركة نزوح باتجاه المصيلح.
وفي وقت لاحق، أعلن الجيش الإسرائيلي أن الغارات جاءت رداً على نشاط لـ«حزب الله» ضد قواته في منطقة مرتفعات علي الطاهر، مؤكداً استهداف بنى تحتية تابعة للحزب في منطقتي النبطية وأنصار.
وقالت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي إيلا واوية إن الغارات نُفذت عقب نشاط لـ«حزب الله» ضد القوات الإسرائيلية في المنطقة الأمنية، مضيفة أن الجيش الإسرائيلي سيواصل العمل لإزالة ما وصفه بالتهديدات.
ولاحقاً، أعلن الجيش الإسرائيلي أن الغارة على أنصار أدت إلى مقتل القيادي في «قوة الرضوان» علي سمير الحاج علي، متهماً إياه باستخدام أفراد عائلته كدروع بشرية والاختباء معهم في مقر عسكري. كما نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مصدر أن «حزب الله» هاجم جنوداً إسرائيليين بمسيّرة انقضاضية أثناء وجودهم في منطقة علي الطاهر.
وشن الطيران الإسرائيلي غارة أخرى على محيط دير الزهراني، استهدفت مبنى مؤلفاً من طابقين، فيما أعلنت وزارة الصحة سقوط أربعة شهداء، بالتزامن مع حركة نزوح كثيفة في منطقة الزهراني.
من جهته، أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن «حزب الله» انتهك وقف إطلاق النار في لبنان عبر مهاجمة جنود إسرائيليين في المنطقة الأمنية، مشيراً إلى إصابة ثلاثة جنود بجروح خطيرة. وقال إن الجيش الإسرائيلي رد بقصف مقر تابع للحزب أصدر أوامر الهجوم، فيما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن متحدث باسم مكتب نتنياهو أن إسرائيل تريد مفاوضات أكثر جدية مع لبنان.
وفي لبنان، أدان رئيس الجمهورية جوزاف عون الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على الجنوب، ولا سيما النبطية ومحيطها، معتبراً أن الخروقات المتكررة للاتفاق الإطاري ولعمل مجموعة التنسيق العسكرية وللقوانين الدولية المتعلقة بحماية المدنيين، والتي أدت إلى استشهاد عائلة كاملة في أنصار، تشكل رسالة واضحة إلى المسار التفاوضي والجهود الأميركية الرامية إلى تنفيذ الاتفاق.
بدوره، اعتبر رئيس مجلس النواب نبيه بري أن المجزرتين في أنصار ودير الزهراني تندرجان في سياق استمرار الحرب الإسرائيلية على الجنوب، مؤكداً أن ما جرى يثبت، برأيه، أن المستويات السياسية والعسكرية الإسرائيلية لا تعير الاتفاقات والقوانين والجهود الرامية إلى إنهاء الحرب والتوتر أي اهتمام.
ودعا بري اللبنانيين، ولا سيما القوى السياسية، إلى مقاربة العدوان الإسرائيلي وتداعياته من منظور وطني بعيداً من الاعتبارات المناطقية والطائفية والحزبية، مشدداً على ضرورة ترسيخ الوحدة الوطنية وتحميل رعاة المفاوضات واتفاقات وقف النار مسؤولياتهم لوقف التصعيد.
أما رئيس الحكومة نواف سلام، فوصف التصعيد الإسرائيلي في النبطية وأنصار ودير الزهراني والقرى المجاورة بأنه بالغ الخطورة ويقوض جهود تثبيت الاستقرار في الجنوب. وشدد على أن ضحايا الغارة على أنصار، وبينهم أطفال ونساء، ليسوا أهدافاً عسكرية، مؤكداً أن التعامل مع أي بنى عسكرية، في حال وجودها على الأراضي اللبنانية، هو من مسؤولية الدولة اللبنانية حصراً عبر الجيش والمؤسسات الشرعية.
وأكد سلام أن وجود أي بنى عسكرية لا يمنح إسرائيل حق استباحة الأراضي اللبنانية وتعريض المدنيين للخطر، داعياً إسرائيل إلى وقف التصعيد، ومشدداً على أن أمن اللبنانيين وحقهم في الحياة على أرضهم ليسا موضع تفاوض أو مساومة.
في المقابل، اعتبر «حزب الله» أن الوقت حان أمام السلطة اللبنانية لإجراء مراجعة شاملة لسياساتها، متهماً إياها بالعجز عن حماية لبنان وشعبه. ودعاها إلى التوقف عن المفاوضات التي «يجرّها إليها الأميركي»، معتبراً أن الرهان على الضمانة والوساطة الأميركية «خائب».
وشدد الحزب على أن الاعتداءات الإسرائيلية ومحاولات فرض أمر واقع لا يمكن أن تستمر، ملوحاً بأن هذه الاعتداءات «ستقابل بما يناسبها»، في موقف يعكس ارتفاع مستوى التوتر السياسي والميداني بالتوازي مع تعثر المسار التفاوضي.
ورأت «النهار» أن التطورات الأخيرة تعيد وضع الاتفاق الإطاري أمام اختبار بالغ الصعوبة، في ظل اتساع الهوة بين المسار الديبلوماسي والوقائع الميدانية، الأمر الذي يثير علامات استفهام حول قدرة الجهود الأميركية على منع تدهور الوضع وإعادة مسار التنفيذ إلى الطريق الذي يفترض أن يقود إلى تثبيت الهدوء في الجنوب.