الثلاثاء 28 صفر 1448 ﻫ - 11 أغسطس 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

قانونا العفو والإعدام... فرصة النوّاب الأخيرة؟

ليست الجلسة التشريعية المقررة اليوم وغداً جلسة عادية، ولا يجوز التعامل معها على أنها محطة جديدة لإعادة تدوير الخلافات وتأجيل الاستحقاقات. إنها اختبار حاسم لجدية مجلس النواب في إقرار قانوني العفو العام وإلغاء عقوبة الإعدام، وفي الانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها، بعدما تحولت السجون اللبنانية إلى واحدة من أكثر الصور إيلاماً وفداحة عن عجز الدولة وتراجع مؤسساتها.

لقد استُهلك ملف العفو العام في المساومات الطائفية والحزبية، وتحوّل من قضية عدالة وطنية إلى ورقة ضغط متبادلة بين الكتل. ومع كل تأجيل، كانت معاناة آلاف الموقوفين والمحكومين وعائلاتهم تتفاقم، فيما كانت السجون تزداد اكتظاظاً، وتنحدر أوضاعها الصحية والإنسانية إلى مستويات لا تليق بدولة تدّعي احترام حقوق الإنسان. ولم يعد مقبولاً أن يبقى أشخاص موقوفين سنوات طويلة من دون محاكمة، أو أن تتجاوز مدة توقيف بعضهم العقوبة التي قد تصدر بحقهم لو حوكموا ضمن المهل القانونية.

العفو المطلوب لا يعني تبرئة المجرمين الخطرين، ولا التفريط بحقوق الضحايا، ولا فتح أبواب السجون بلا ضوابط. المطلوب قانون متوازن، يميّز بوضوح بين الجرائم الخطرة التي تهدد أمن المجتمع وبين الحالات التي تستحق إعادة النظر، سواءٌ بسبب طول مدة التوقيف، أو محدودية الجرم، أو الظروف التي أحاطت به.

إن إقرار العفو العام ضمن هذه الضوابط ستكون له نتائج اجتماعية وأمنية إيجابية. فهو يخفف الاحتقان المتراكم لدى شرائح واسعة تشعر بالغبن، ويعيد آلاف الأشخاص إلى عائلاتهم ومجتمعاتهم، ويحدّ من تحوّل السجون المكتظة إلى بيئات للتطرف والجريمة المنظمة. كما يساهم في ترميم الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، ولا سيما المؤسسة القضائية والأجهزة الأمنية، ويغلق ملفات استُخدمت طويلاً لتغذية الانقسامات والتحريض وإثارة الشكوك حول العدالة الانتقائية.

أما إلغاء عقوبة الإعدام، فلا يعني التساهل مع مرتكبي الجرائم الكبرى، بل استبدال عقوبة لا يمكن التراجع عنها بعقوبات مشددة تضمن حماية المجتمع ومحاسبة المجرم. فالدولة التي لم تنفذ أحكام الإعدام منذ سنوات مدعوة إلى حسم هذا التناقض، والانتقال إلى تشريع واضح ينسجم مع التوجهات الحقوقية الحديثة.

لقد تحولت السجون اللبنانية، بما تعانيه من اكتظاظ ومرض وتأخر في المحاكمات وانعدام لأبسط شروط الكرامة الإنسانية، إلى وصمة عار على جبين السلطة بكل مؤسساتها. ومعالجة هذه المأساة لا تكتمل بالعفو وحده، بل تستوجب إصلاح القضاء، وتحديث السجون، وتسريع المحاكمات.

أمام النواب فرصة قد تكون الأخيرة لإثبات أن المجلس قادر على إنتاج تسوية عادلة لا صفقة طائفية، وعلى إقرار قوانين تخدم الاستقرار بدل تأجيل الأزمات. أما إسقاط القانونَيْن أو ترحيلهما مجدداً، فسيعني أن الحسابات الحزبية أقوى من العدالة، وأن معاناة السجناء وعائلاتهم ما زالت أرخص من كلفة التوافق السياسي. وهذه مسؤولية لن يستطيع أحد التنصل منها أمام اللبنانيين، أو حتى أمام التاريخ.