الثلاثاء 22 محرم 1448 ﻫ - 7 يوليو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

لماذا لم تعد الحرب الأهلية خياراً قابلاً للتنفيذ؟

نداء الوطن
A A A
طباعة المقال

عند كل محطة مفصلية، يعود الحديث عن شبح الفتنة والحرب الأهلية باعتباره الوسيلة الأسرع لإخافة اللبنانيين ودفعهم إلى القبول بالأمر الواقع. ويجري في كل مرة التلويح بانقسام الشارع إلى شارعين متقابلين، على قاعدة أن الاحتكاك السياسي سيتحول تدريجاً إلى مواجهة شعبية، قبل أن ينتهي إلى صدامات عسكرية واسعة تعيد إنتاج مشاهد الحرب الأهلية إلا أن قراءة هادئة للوقائع الداخلية والإقليمية تكشف أن هذا السيناريو لم يعد واقعياً، وأن الرهان عليه بات أقرب إلى الاستثمار النفسي والسياسي منه إلى احتمال قابل للتنفيذ.

فلبنان اليوم ليس لبنان الذي عرفه اللبنانيون في محطات سابقة، كما أن البيئة السياسية والإقليمية التي كانت تسمح بتحويل التوترات السياسية إلى مواجهات عسكرية لم تعد موجودة. لذلك، فإن الحديث المتكرر عن الفتنة يؤدي وظيفة سياسية وإعلامية أكثر مما يعكس معطيات فعلية، إذ يهدف قبل كل شيء إلى بث الخوف بين المواطنين، ودفع القوى السياسية إلى التراجع عن مواقفها تحت عنوان تجنب الانزلاق إلى المجهول.

ويستند هذا التقدير إلى أن الظروف التي أنتجت أحداث السابع من أيار 2008 لم تعد قائمة. ففي تلك المرحلة، كان المشهد الإقليمي مختلفاً بالكامل، وكان النظام السوري يشكل مظلة سياسية وأمنية لـ”محور الممانعة” داخل لبنان، فيما كانت موازين القوى الداخلية تسمح بفرض وقائع ميدانية بسرعة كبيرة، مستفيدة من شبكة واسعة من التحالفات والامتدادات داخل مؤسسات الدولة وخارجها.

أما اليوم، فقد تبدلت تلك المعادلات بصورة جذرية. فسوريا نفسها صارت في المقلب الآخر ولم تعد اللاعب الذي كانت عليه قبل 2011، ولم تعد تملك القدرة على إدارة المشهد اللبناني كما في السابق. وفي الداخل، تبدلت الخريطة السياسية والاجتماعية بشكل واضح، بحيث لم يعد هناك غطاء وطني عابر للطوائف يمكن أن يؤمن أي شرعية لمغامرة داخلية. فلا يوجد حليف مسيحي قادر على توفير الغطاء الشعبي والسياسي، ولا شريك سنيًا يمكن أن يمنح أي مواجهة بعداً وطنياً، كما أن البيئة الدرزية تتخذ مواقف مختلفة عن تلك التي كانت سائدة في مراحل سابقة، فيما برز داخل الطائفة الشيعية نفسها قطاع واسع يتبنى مقاربة مختلفة حيال مستقبل الدولة والسلاح والعلاقة مع المجتمع الدولي، وهو ما يجعل أي محاولة لإعادة إنتاج مشهد الانقسام التقليدي أكثر تعقيداً وأقل قابلية للتحقق.

ولا يقتصر التغيير على الخريطة السياسية، بل يشمل أيضاً مؤسسات الدولة نفسها. فالأجهزة العسكرية والأمنية والقضائية تعمل اليوم في بيئة مختلفة عن تلك التي كانت قائمة قبل سنوات، ولم يعد ممكناً، فرض الإرادات عليها بالأساليب التي كانت تعتمد سابقاً، سواء عبر الترهيب أو الترغيب أو الضغوط السياسية المباشرة. كما أن هذه المؤسسات باتت تدرك أن أي انزلاق داخلي ستكون كلفته وجودية على الدولة نفسها، الأمر الذي يجعل الحفاظ على الاستقرار أولوية تتقدم على أي اعتبارات أخرى.

وفي المقابل، فإن القوى الدولية المعنية بالملف اللبناني لا تنظر إلى أي انفجار داخلي باعتباره شأناً لبنانياً صرفاً، بل تعتبره تهديداً مباشراً للاستقرار الإقليمي ولمصالحها الأمنية في شرق المتوسط. ولذلك، فإن هامش المناورة أمام أي طرف يفكر باستخدام القوة في الداخل أصبح أضيق بكثير مما كان عليه في السابق.

والأهم من كل ذلك أن حزب الله نفسه يدرك أن الحرب الداخلية لم تعد خياراً قابلاً للتطبيق، ليس فقط بسبب تبدل موازين القوى المحلية، وإنما أيضاً بسبب التحولات القانونية والسياسية الدولية التي تحكم التعامل مع أي انهيار شامل للدولة اللبنانية. فالمعادلات التي كانت قائمة قبل عقدين تبدلت بصورة عميقة، وأصبح أي استخدام للقوة داخل لبنان يفتح الباب أمام تدخلات وضغوط دولية يصعب احتواء تداعياتها.

ومن هنا، يبرز العامل الأكثر حساسية في الحسابات الاستراتيجية، والمتمثل بإمكانية انتقال الأزمة اللبنانية إلى مستوى دولي مختلف إذا انهارت مؤسسات الدولة أو انزلقت البلاد إلى حرب أهلية جديدة. ويكفي في هذا السياق التذكير بما يعنيه الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وما يتيحه من صلاحيات واسعة لمجلس الأمن في حال اعتبر أن السلم والأمن الدوليين باتا مهددين، وهي معادلة يدرك جميع اللاعبين في الداخل خطورتها السياسية والأمنية والسيادية، ويدركون أيضاً أن أي مسار يقود إليها ستكون كلفته أعلى بكثير من أي مكاسب ظرفية يمكن تحقيقها في الداخل.

لذلك، تبدو معركة المرحلة سياسية بامتياز، تدور حول تنفيذ الاستحقاقات والتفاهمات، وحول مستقبل الدولة واحتكارها للسلاح والقرار الأمني، لا حول إعادة إنتاج الحرب الأهلية. أما التلويح المتكرر بالفتنة، فيبقى في جانب كبير منه أداة ضغط نفسي تهدف إلى تجميد أي مسار تغييري وإقناع اللبنانيين بأن البديل عن الواقع القائم هو الفوضى، فيما تشير الوقائع إلى أن البيئة الداخلية والإقليمية والدولية لم تعد تسمح بانفجار من النوع الذي عرفه لبنان في مراحل سابقة، وأن كلفة أي مغامرة داخلية أصبحت من الضخامة بحيث تجعل مجرد التفكير بها أقرب إلى الرهان على المستحيل.