الجمعة 11 محرم 1448 ﻫ - 26 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

واشنطن تدفع نحو إعلان نوايا.. وإسرائيل تفاوض بالنار وتُبقي سقف شروطها مرتفعاً

الأنباء
A A A
طباعة المقال

بين واشنطن والمنامة وطهران وبيروت، تتكثف الحركة السياسية في المنطقة على إيقاع مرحلة انتقالية تبدو الأكثر حساسية منذ انتهاء الحرب الأخيرة. فالمفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية التي استضافتها العاصمة الأميركية على مدى ثلاثة أيام تدخل منعطفاً جديداً مع ترقب صدور “إعلان نوايا” يُراد له أن يشكل أرضية لاستكمال المسار التفاوضي، فيما لا تزال القضايا الجوهرية المرتبطة بالانسحاب الإسرائيلي الكامل من الجنوب والترتيبات الأمنية ومستقبل المنطقة الحدودية عالقة تحت سقف تباينات عميقة بين الأطراف المعنية.

وفي وقت تسعى الإدارة الأميركية، عبر وزير الخارجية ماركو روبيو الذي اختتم جولة خليجية حافلة بالرسائل السياسية، إلى تسويق ما تعتبره تقدماً في مسار تثبيت الاستقرار على الجبهة اللبنانية، تركز المفاوضات، بحسب مصادر مطلعة، على آلية انسحاب الجيش الإسرائيلي من المناطق التي احتلها خلال الحرب الأخيرة، مقابل انتشار الجيش اللبناني فيها، ضمن ما يُعرف بـ “المناطق النموذجية” التي تشرف الولايات المتحدة على ترتيباتها الأمنية، في إطار تثبيت وقف إطلاق النار ومنع تجدد المواجهات.

شروط إسرائيلية مقابل تمسك لبناني بالانسحاب

إلا أن هذه الآلية لا تزال تصطدم بخلافات جوهرية، إذ تتمسك إسرائيل بربط أي انسحاب بإجراءات أمنية تمنع عودة نشاط “حزب الله” في تلك المناطق، فيما يطالب الجانب اللبناني، بتوجيه من رئيسي الجمهورية والحكومة، بأولوية الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة وفق جدول زمني محدد، من دون ربطه بشروط إضافية أو ترتيبات تنتقص من السيادة الوطنية. وفي هذا السياق، يواصل رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس رفع سقف المطالب السياسية والعسكرية، مع التمسك بالإبقاء على وجود عسكري في أجزاء من الجنوب، وعدم الانسحاب من الخط الأصفر وقلعة الشقيف، ما يهدد بتحويل المفاوضات من مسار لإنهاء الاحتلال إلى نقاش حول آليات إدارته.

موقف حزب الله وطهران

في المقابل، يتابع “حزب الله” بدقة ما يجري في واشنطن، متمسكاً بمعادلة الانسحاب الكامل ورفض أي اتفاق يمنح إسرائيل مكاسب سياسية أو أمنية لم تستطع فرضها في الميدان. وجدد بيان كتلته النيابية رفضه القاطع للمفاوضات المباشرة وما يحكى عن مناطق تجريبية. أما طهران، التي تخوض بالتوازي مفاوضات معقدة مع الولايات المتحدة، فتؤكد أن أي تسوية دائمة في الجنوب اللبناني تستوجب إنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي على كامل الأراضي اللبنانية.

رسائل المنامة… دعم للبنان وحصرية للسلاح

وفي هذا المناخ، جاء البيان الخليجي – الأميركي الصادر عن اجتماع المنامة ليعكس ملامح مرحلة جديدة من المقاربة الإقليمية. فالبيان لم يكتف بدعم المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية واستقرار لبنان، بل شدد على ضرورة الحفاظ على مسارها وعدم ربطها بأي نزاعات إقليمية أخرى، وأعاد التأكيد على حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، وربط تعزيز السيادة اللبنانية باستكمال بناء مؤسسات الدولة وقواتها المسلحة، داعياً إلى نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة، في رسالة سياسية واضحة تتجاوز الإطار اللبناني إلى مجمل التوازنات الإقليمية التي يعاد رسمها بعد التفاهم الأميركي – الإيراني الأخير.

هدوء حذر… والنار مستمرة

ميدانياً، تبدو الجبهة الجنوبية في حالة ترقب حذر. فقد أُعلن عن توجه إسرائيلي لتقليص جزء من القوات المنتشرة في جنوب لبنان وسحب ألوية لإعادة التأهيل ورفع الجهوزية، في خطوة يقرأها البعض مؤشراً إلى تراجع احتمالات التصعيد الواسع، فيما يعتبرها آخرون إجراءً عملياتياً لا يغيّر في جوهر الاستراتيجية الإسرائيلية القائمة على الاحتفاظ بأوراق ضغط ميدانية خلال التفاوض.

إلا أن هذا المسار لم ينعكس على الأرض، إذ لم تنسحب الوحدات الإسرائيلية المحتلة، بل نفذت فجراً اعتداءات جديدة وأغارت على بلدات جنوبية، في ترجمة لتصريحات نتنياهو التي أكد فيها أن مهمة جيشه في الجنوب اللبناني لم تنتهِ بعد.

استعدادات لبنانية وتحديات اقتصادية

وفي المقابل، تواصل الدولة اللبنانية استعداداتها لمرحلة ما بعد الحرب، وبحث مجلس الوزراء نتائج الجولة التفاوضية، بالتزامن مع إطلاق الحكومة خطة عاجلة لإعادة الأهالي إلى قراهم الجنوبية وإزالة آثار العدوان وإعادة تأهيل البنى التحتية والخدمات الأساسية.

اقتصادياً، تزداد تداعيات الحرب تعقيداً، إذ توقع صندوق النقد الدولي انكماش الناتج المحلي الإجمالي للبنان خلال عام 2026، نظراً للوضع الاقتصادي والاجتماعي والإنساني “الصعب للغاية” الناجم عن استئناف الحرب.

مرحلة جديدة من الحضور الدولي

وتتقاطع هذه التطورات مع نقاش دولي متسارع حول مستقبل الجنوب اللبناني بعد قرار إنهاء مهمة “اليونيفيل” نهاية العام الجاري، إذ برز الإعلان الفرنسي – الإيطالي عن العمل لتشكيل آلية دولية جديدة لدعم لبنان وتعزيز قدرات الجيش اللبناني ومنع تحويل أراضيه مجدداً إلى ساحة صراعات إقليمية، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الحضور الدولي في لبنان وطبيعة الضمانات الأمنية المرتبطة بها.

لبنان عند تقاطع التسويات

هكذا يقف لبنان اليوم عند تقاطع مسارات تفاوضية متشابكة تتجاوز حدوده الجغرافية. فنتائج واشنطن لا تنفصل عن مآلات الحوار الأميركي – الإيراني، ومستقبل الجنوب مرتبط بموازين القوى الإقليمية، فيما تبقى الأولوية اللبنانية ثابتة: تثبيت السيادة، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، ومنع انزلاق البلاد مجدداً إلى دوامة الصراعات المفتوحة. وبين تفاؤل الوسطاء وتشدد المتفاوضين، يبقى السؤال الأهم: هل تكون جولة واشنطن بداية طريق نحو استقرار مستدام، أم مجرد محطة جديدة في مسار تفاوض طويل لم تنضج شروط نهايته بعد.