حذارِ من رسالة تعريف الارتباط أو Cookies التي تظهر عند فتح أي موقع.. فهي فخ إلكتروني

ستيفاني هير

«من يمتلك بياناتك؟» إنه أحد أصعب الأسئلة التي تواجهها الحكومات، والشركات، والجهات التنظيمية، في يومنا هذا، ولم يقدم أحد إجابة مرضية لهذا السؤال حتى الآن. ليس هذا ما وُعدنا به في العام الماضي، عندما دخل النظام الأوروبي العام لحماية البيانات، أو ما يُعرف بGDPR، حيز التنفيذ.

وُصف النظام الأوروبي العام لحماية البيانات بأنه المعيار الذهبي في حماية البيانات، الذي يمنح أقوى الحقوق المتعلقة بالبيانات في العالم. وقد أجبر هذا النظام الشركات في كل مكان على تعديل نماذجها التشغيلية، وكانت تكلفة ذلك باهظة في الغالب. وألهم ولاية كاليفورنيا إلى اعتماد قانون مشابه، وفي ذلك عادة تتبع سائر الولايات ولاية كاليفورنيا عندما تكون في طليعة هكذا شيء. إذ انتشرت دعوات تنادي بإصدار نسخة فيدرالية من هذا النظام.

ولكن ما الذي تغير بالفعل بالنسبة لهؤلاء الذين يعيشون في ظل النظام الأوروبي العام لحماية البيانات؟

قبل أن يدخل هذا النظام حيز التنفيذ في العام الماضي، تلقينا هجمةً من الرسائل الإلكترونية من منظمات تسألنا إذا كنا سنسعد بالاستمرار في علاقةٍ لم يكن معظمنا يعرف بها، أو إذا كنا نريد منهم حذف بياناتنا وإلغاء اشتراكنا في عملية جمع البيانات التي يضطلعون بها.

بالرغم من أنها كانت فرصة لتنفيذ ما يشبه حملة تطهير رقمي، فإن إخبار الناس بأن بياناتهم يجري جمعها ليس مثل منع تجميعها من الأساس. لكن ذلك الوضع مستمر، بل ويزيد. والفارق الوحيد الآن هو أننا مُجبرون على المشاركة في انتهاك خصوصيتنا بأنفسنا من خلال خدعة غريبة تُدعى «القبول/أقبل».

تحثنا معظم المواقع الإلكترونية على الضغط على زر «أقبل» من خلال جعل عدم الضغط أكثر صعوبة. إذ تجبرنا المواقع التي تمنح اختيار الضغط على «لا أقبل»، أن نتصفح قائمة معقدة من إعدادات الخصوصية، وكلها لا تُقدم إلا مظهراً خادعاً للخصوصية.

تعرف هذه الشركات أن أحداً لا يملك الوقت الكافي أو الاستعداد لفعل ذلك في كل موقع على حدة، ويراهنون على أن معظمنا سيختار الراحة على حماية البيانات. وهكذا نضغط على «أقبل» لملفات تعريف الارتباط (Cookies) وغيرها من وسائل التعقب الأخرى على شبكة الإنترنت التي تتبعنا، ما يخلق كياناً رقمياً آخذاً في التزايد خاضعاً للمراقبة، والاستخدام، والبيع، والشراء.

بموجب النظام الأوروبي العام لحماية البيانات، اكتسبنا الحق في معرفة البيانات التي يجري تجميعها عنا وطلب حذفها. ومرة أخرى، يضع هذا على عاتقنا نحن، وليس الشركات أو الحكومة، عبء القيام بالعمل. ومن جديد، لا يفعله معظمنا. غير أن النظام الأوروبي العام لحماية البيانات كان بإمكانه أن يحل هذه المشكلة بسهول من خلال جعل الخصوصية الاختيار الافتراضي وأن يُطلب منا التغيير إذا أردنا أن يتم جمع بياناتنا. لكن هذا سيخل بقدرة الحكومات والشركات على معرفة معلوماتٍ هنا والتنبؤ بسلوكياتنا وتغييرها، بحسب ما فسرته شوشانا زوبوف تفسيراً واضحاً في كتابها The Age of Surveillance Capitalism (عصر رأسمالية المراقبة).

وتزداد صعوبة تجاهل ذلك في ظل تحذير اللجنة البرلمانية المشتركة المعنية بحقوق الإنسان JCHR، لنا في الأسبوع الماضي، من أن بياناتنا يجري استخدامها بالفعل في إعلانات الإسكان والوظائف. وتشير إلى «صعوبة -إن لم يكن استحالة- العثور على الجهات التي جرى مشاركة البيانات معها -حتى بالنسبة إلى الخبراء- لإيقاف ذلك أو حذف المعلومات غير الدقيقة عن أنفسهم». وتقول لجنة JCHR إنه «من غير الملائم إطلاقاً استخدام مبدأ القبول عند التعامل مع بيانات الأطفال»، مشيرةً إلى أن الأطفال في عمر الـ13 وفوق ذلك، بموجب الإطار التشريعي الحالي، يُحسبون بالغين بما يكفي لقبول باستخدام بياناتهم.

كان من المفترض أن يمنع النظام الأوروبي العام لحماية البيانات كل هذا. لكنه يخذلنا، ويخذل أطفالنا.

إذ لا يمنع بناء مجتمع خاضع للمراقبة، بل إنه في الحقيقة يضفي الشرعية على ذلك. يُمنع، بوجب نظام GDPR، جمع البيانات الحيوية -وهو ما يحدث مع تكنولوجيا التعرف على الأوجه- إلا في حال أعطى المواطنون موافقة واضحة على ذلك. غير أن هناك استثناءات عندما يكون الأمر في الصالح العام، مثل محاربة الجريمة.

وهنا يحدث أن يصير الاستثناء قاعدة. في النهاية، من الذي يرفض محاربة الجريمة؟ وبما أنه يمكن للأمن والشرطة استخدام هذه التكنولوجيا، تستطيع الكثير من الشركات وأصحاب الأملاك استخدامها أيضاً.

وفي خضم العلامات الدالة على ردود فعل عنيفة، لا يمنح نظام GDPR إلا قدراً قليلاً من المساعدة، بل قدراً أقل من الاتساق. في شهر أغسطس/آب، فرضت جهات تنظيم البيانات السويدية غرامة على مدرسة ثانوية لاستخدامها تكنولوجيا التعرف على الوجه في تسجيل حضور الطلاب، غير أنها لم تحكم بعدم قانونيتها. أما الجهات المنظمة الفرنسية، فقد حكمت الشهر الماضي بعدم قانونية استخدام هذه التكنولوجيا في المدارس الثانوية، لكنها لم تطعن في خطة الحكومة لاستخدام تكنولوجيا التعرف على الوجوه في برنامج إلزامي وطني للهوية الرقمية. وأيدت محكمة في المملكة المتحدة هذا الخريف استخدام شرطة جنوب ويلز، تكنولوجيا التعرف على الوجه، لكن الجهة الأساسية لتنظيم البيانات، وهي مكتب مفوض المعلومات ICO، حذرت الشهر الماضي من ضرورة ألا يعد ذلك إذناً شاملاً للشرطة باستخدام هذه التكنولوجيا.

وفي هذا الأثناء، قدم مجلس اللوردات مشروع قانون يدعو إلى تعليق أتمتة استخدام تكنولوجيا التعرف على الوجه، وهو موضوع دعت إليه لجنة العلوم والتكنولوجيا في مجلس العموم البريطاني في يوليو/تموز. بل إن اللجنة الأوروبية اعترفت بأن النظام الأوروبي العام لحماية البيانات يفشل في حمايتنا من مجتمع المراقبة، ولهذا تُخطط هي الأخرى لوضع ضوابط على تكنولوجيا التعرف على الوجه في إطار استراتيجيتها الجديدة الخاصة بالذكاء الاصطناعي.

لن يحدث هذا التغيير بالسرعة الكافية بالطبع. ولكن يجب أن يقطع شوطاً أبعد. يبدأ الجيل الجديد من البنية التحتية للاتصالات اللاسلكية، المعروف بالجيل الخامس 5G، في تحويل وعود الإنترنت إلى واقع. سوف يحول الأجهزة التي يمكن ارتداؤها، والمنازل، والسيارات، وأماكن العمل، والمدارس، والمدن، إلى تيار لا ينتهي من البيانات المتصلة ببعضها. فضلاً عن أن التقدم في قوة المعالجة المحوسبة والذكاء الاصطناعي سوف يسمح للجهات التي تملك بياناتنا، أن تفعل بها -وبنا بالتبعية- ما هو أكثر.

وحتى في ظل زيادة إلحاح السؤال المتعلق بهوية من يمتلك بياناتنا، قد لا تكون الملكية هي أفضل طريقة للتفكير فيما هو في الواقع سؤال عن كيفية حماية حرياتنا المدنية في عصر الذكاء الاصطناعي.

في كتاب Permanent Record، يوضح إدوارد سنودن أن دراسته الدقيقة لدستور الولايات المتحد، وتحديداً وثيقة حقوق الولايات المتحدة، هي ما أقنعته بأن الحريات المدنية للأمريكيين تُنتهك بفعل أنشطة حكومة الولايات المتحدة في المراقبة، التي تُمارس بالمشاركة الفعالة لشركات التكنولوجيا الأمريكية وبدونها. وبالرغم من عدم تمتع المواطنين غير الأمريكيين بالحماية التي تقدمها وثيقة حقوق الولايات المتحدة، يرى سنودن أن حكومة الولايات المتحدة تنتهك حقوقهم الإنسانية. وهو ما قاده إلى كشف الأمر في عام 2013.

في الأسبوع الماضي، قال سنودن إن النظام الأوروبي العام لحماية البيانات «مجهود أولي جيد.. لكنه ليس حلاً». إذ يرى أن التشريع ينبغي أن يتناول مسألة جمع بياناتنا بالأساس، وليس حمايتها بعد جمعها. ولفعل ذلك، سوف نحتاج إلى إصلاح نهجنا. النظام الأوروبي العام لحماية البيانات يحمي البيانات. ولكن من أجل حماية الأشخاص، فنحن نحتاج إلى وثيقة حقوق: وثيقة تحمي حرياتنا المدنية في عصر الذكاء الاصطناعي.

 

 هذا الموضوع مترجمة عن صحيفة The Guardian البريطانية
المصدر Arabic Post
شاهد أيضاً

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More