استمع لاذاعتنا

فيديو: البلاديوم.. المعدن الذي بات أغلى من الذهب ويتوفر لدى معظم الناس

إندبندنت عربية
A A A
طباعة المقال

معدن البلاديوم الأبيض الثمين، الذي يعتبر من الناحية الكيميائية ذا سمية منخفضة، حيث يتم امتصاصه بشكل سيء من قبل جسم الإنسان عند تناوله، ينافس الذهب في سعره، حيث تتجاوز سعر الأونصة منه بما يقدر بـ2000 دولار، وقد بلغت مكاسبه 172% خلال السنوات الثلاث الماضية، بينما كانت مكاسب الذهب 33% خلال نفس الفترة.

وسجّل البلاديوم مستوى تاريخياً جديداً في الارتفاع إلى مستوى 2.140 دولار لكل أوقية، وأنهى عام 2019 محققاً 59% مكاسب سنوية كأفضل السلع والمعادن أداءً خلال العام الماضي، بينما حقق المعدن الأصفر مكاسب بلغت 19% في العام ذاته.

وسابقاً تم وصف كلوريد البلاديوم في وقتٍ ما بأنه علاج لمرض السل بمعدل 0.065 غرام في اليوم الواحد (حوالي مليغرام واحد لكل كيلوغرام من وزن الجسم). كان لهذا العلاج العديد من الآثار الجانبية السلبية، وتم استبداله لاحقًا بأدوية أكثر فعالية.

ويستخدم البلاديوم في المحولات الحفزية في صناعة السيارات. وفي الفترة الممتدة حتى عام 2000، تأخر تقديم الروس للبلاديوم إلى السوق العالمية بشكل متكرر لأسباب سياسية، ولم يتم منح حصص التصدير في الوقت المناسب.

أدى الهلع الذي أعقب ذلك إلى ارتفاع السعر إلى أعلى مستوى له على الإطلاق عند 1100 دولار للأونصة الواحدة في يناير 2001. في ذلك الوقت، قامت شركة فورد للسيارات بتخزين البلاديوم؛ خوفًا من أن يتضرر إنتاج السيارات بسبب نقص في البلاديوم. عندما انخفضت الأسعار في أوائل عام 2001 ، خسرت فورد ما يقرب من 1 مليار دولار أمريكي.

 

المعدن النادر يواصل الارتفاع

ويستمر البلاديوم في الارتفاع خلال بداية العام الحالي، فمع تصاعد المخاطر الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط ارتفع الطلب على المعادن كملاذات آمنة، وأيضاً استمر ارتفاع الطلب الاستثماري على هذا المعدن النادر عبر الانكشاف على الصناديق الاستثمارية المتداولة في البورصات مثل PALL، وكذلك لا يزال النقص في الإمداد عالمياً يدفع الأسعار إلى مزيد من التصاعد.

على صعيد آخر، فإن التشريعات الخاصة بالانبعاثات الكربونية والحد من التلوث وجودة الهواء في عدد من الدول الصناعية الكبرى، مثل الصين والهند واليابان، تسبب ارتفاع الطلب على البلاديوم المستخدم في عوادم السيارات التي تعمل بالبنزين لتقليل مخاطر الغازات الناتجة عن عمليات الحرق في مكائن السيارات.

وكذلك فإنه مع السيارات الهجينة Hydride vehicles التي تعمل بمحركين، يدخل البلاديوم ضمن محولات التحفيز لتقليل مخاطر الانبعاثات.

وهناك أسباب عِدة اجتمعت وعزّزت ارتفاع هذا المعدن، منها ما هو أساسي ومرتبط بالعرض والطلب، ومنها ما هو مرتبط بالتأثيرات الجيوسياسية، إلى جانب عوامل ترتبط بالحاجة الوظيفية إلى المعدن مع التشريعات والضوابط، في أكبر سوق مستهلك له.

تدابير خفض انبعاثات الكربون والطلب على البلاديوم

وكشف تقرير سابق لوكالة البيئة الصينية، أن 31% من تلوث الهواء في بكين ناتج عن عوادم السيارات، وخلال الفترة ما بين عامي 2013 إلى 2017 بدأت الصين حرباً على التلوث في محاولة لتحسين جودة الهواء. ومعروف أن الصين شهدت تطوراً اقتصادياً وصناعياً سريعاً خلال العقود الأربعة الماضية عبر نهضة صناعية كبيرة أمعنت في التلوث، إضافة إلى أن هذه النهضة كانت سبباً في كبر حجم الطبقة الوسطى وارتفع الطلب على السيارات.

ونتيجة ارتفاع تلوث الهواء فوق سماء المدن الصينية، تسعى بكين إلى تخفيض الجسيمات الدقيقة الضارة التي تُستنشق من الهواء المعروفة باسم (بي إم 2.5) إلى 35 مايكروغرام في المتر المكعب، والقراءة الحالية هي 68 في العاصمة التي يبلغ عدد السيارات فيها 5 ملايين.

ويدخل البلاديوم في محولات التحفيز في عوادم السيارات وتعمل هذه المحفزات على تحويل الغازات الضارة إلى ماء ونيتروجين وثاني أكسيد الكربون، وتعتبر الصين مصدراً مهما للطلب على هذا المعدن النادر.

أسعار المعدن… ونقص المعروض

ويجري إنتاج 90% من البلاديوم كمنتج ثانوي من نتيجة تعدين وتصفية النيكل بنسبة 49% والنحاس والبلاتين بنسبة 41%، وأيضاً منتج ثانوي جراء تصفية وتعدين معادن أخرى بنسبة 10%، وأخيراً شهدت الأسواق نشاط إعادة التدوير كأحد المصادر إلى جانب التعدين.

وفي مقابل ارتفاع الطلب على البلاديوم، هناك نقص في المعروض من هذا المعدن النادر، كان أحد أسباب استمرار ارتفاع الأسعار في الأسواق، حيث إن روسيا تتصدر الدول المنتجة له، وتنتج نحو 2.840 مليون أوقية تأتي من تصفية النيكل، وكذلك جنوب أفريقيا التي تنتج 2.590 مليون أوقية. وأغلب هذه الكميات يأتي من تصفية البلاتين، ثم 1.500 مليون أوقية من مصادر أخرى.

هذه تقديرات عام 2018، ومع دخول عام 2020 لا تزال الفجوة بين العرض والطلب مستمرة منذ عام 2012، ما يعزِّز مكاسب البلاديوم في الأسواق، وبخاصة أن 80% من هذا المعدن تستخدم في صناعة السيارات، ما يجعله أكثر حساسية بالتشريعات التي تصدر بشأن معايير التصنيع والمواصفات الخاصة بالقطع التي تدخل في عوادم السيارات.

أيضاً انعكست أزمة الطاقة التي شهدتها جنوب أفريقيا (الأولى في إنتاج البلاتين في العالم والثانية بعد روسيا في إنتاج البلاديوم) في الجولة الثانية من إنتاج البلاديوم سلباً على المعروض نتيجة انخفاض الإنتاج، ففي 2019 خفضت شركة الكهرباء الوطنية في جنوب أفريقيا إمدادات الكهرباء وتصاعدت الأزمة إلى عدد من حالات الإظلام التام.

ديناميكية صعود البلاديوم

وكانت وتيرة صعود معدن البلاديوم متسارعة للغاية ومصحوبة بتذبذب سعري مرتفع مع استمرار زخم الصعود. ففي أكتوبر (تشرين الأول) 2017 ارتفع سعر الأونصة فوق الألف دولار للمرة الأولى منذ 15 عاماً، وللمرة الأولى يتجاوز سعر البلاتين خلال 16 عاماً.

وخلال عام 2018 بدأت الأسواق تترقب مزيداً من الطلب على المعدن مع استمرار نقص الإمداد وتجاوز الطلب عن حجم العرض للسنة الخامسة، ثم استمرت موجة الصعود في 2019، مسجلاً مستويات قياسية ومكاسب سنوية قوية تقترب من 1800 دولار للأونصة ليتجاوز سعر الذهب منذ منتصف العام الماضي، ففي أغسطس (آب) 2019 تداول البلاديوم عند مستوى 1400 دولار للأونصة. وخلال أربعة أشهر فقط ارتفع السعر بنسبة 40% حتى 8 يناير (كانون الثاني) 2020.

ولا يزال البلاديوم يحافظ على مكاسبه فوق 2000 دولار للأوقية، على الرغم من انحسار المخاوف الجيوسياسية مع نهاية الأسبوع الأول في 2020. ولا يزال يتداول عند مستوى 2100 دولار.

وفي وقت سابق توقعت مجموعة سيتي 2500 دولار سعراً مستهدفاً للبلاديوم في 2020، وفي المقابل تنتظم في قطاع صناعة السيارات أبحاث عديدة للبحث عن بديل لهذا المعدن نظراً للارتفاع الكبير في سعره الذي سيقود إلى زيادة تكلفة التصنيع.

عوامل تدفعه إلى الارتفاع

ويمكن تقسيم العوامل التي تدفع هذا المعدن إلى الارتفاع إلى أقسام متعددة مثل عوامل أساسية مرتبطة بنقص الإمداد، وعوامل وظيفية تتعلق باتساع رقعة الاستخدام، وعوامل تشريعية ترتبط بقوانين الحد من الانبعاثات الكربونية، وعامل آخر كامن وهو ندرة المعدن ومحدودية المخزون منه عالمياً، إلى جانب أن الطلب الاستثماري على الأوراق المالية المقومة بالبلاديوم تسبب في تنوع الطلب على الموجودات الفيزيائية منه، مثل الصناديق الاستثمارية المتداولة في البورصات.