السبت 11 ربيع الأول 1444 ﻫ - 8 أكتوبر 2022 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

أكثر من 100 يوم من المقاومة.. ماذا تتعلم الدول الصغيرة من التكتيك الأوكراني؟

على مشارف الشهر الرابع من المعارك الدموية، لم يتوقع أحد أن تقاوم القوات الأوكرانية الجيش الأحمر بهذه القوة والعزيمة مدة مئة يوم من القصف والدمار، في غزو يشنه أقوى جيوش العالم. حتى أن روسيا، وفق الخبراء، كانت تتوقع سقوط أوكرانيا ونجاح عملياتها العسكرية في فترة قصيرة.

وكاد يُجمِع كبار العسكريين ومسؤولو المخابرات الأميركيين أن قوات روسيا ستجتاح كييف في بضعة أسابيع أو أقل من ذلك. كان ذلك رأيهم قبل أن يشن فلاديمير بوتين هجومه على أوكرانيا، لكن كييف ما تزال صامدة بعد مضي أكثر من ثلاثة أشهر على بداية الغزو. بل وتجاوز عدد قتلى الجنود الروس على يد قوات أوكرانيا حصيلة قتلى الاتحاد السوفيتي في حربه التي امتدت تسع سنوات في أفغانستان. تراقب الدول حول العالم الصراع، وكثير منها أصغر وأضعف من أوكرانيا، لتتعلم كيف تحجم قوة عظمى.

تختلف الدروس المستفادة بشكل كبير، لكن تجمعها فكرة أساسية واحدة، وهي أن الدول الصغيرة من تايوان في المحيط الهادئ إلى مولدوفا في أوروبا الشرقية بحاجة لأن تجعل نفسها شائكة للغاية، بحيث يصبح ابتلاعها مؤلماً لأبعد حد. تتراوح تبعات تبني هذه الاستراتيجية من الأسلحة التي تشتريها تلك الدول إلى الطريقة التي تنظم بها جيوشها والمساعدات التي تطلبها من الولايات المتحدة وغيرها.

قال إلبريدج كولبي، المسؤول السابق في البنتاغون، ومهندس استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2018 تحت إدارة ترمب: “الدرس الواضح هو: لا تعتمدوا على الضغط الدولي غير المباشر. يجب أن تكونوا قادرين على دحر قدرة الخصم على الاستيلاء على الأراضي الرئيسية التابعة للدولة والاحتفاظ بها”.

تحتاج الدول المعرضة للهجوم من قبل روسيا أو الصين كي تقوم بذلك لتبني “دفاعاً غير متناظر” يضمن امتلاكها “قوات لامركزية عالية المهارة قادرة على خلق كثير من المتاعب للقوات الأضخم التي تعد أساسية لشن عمليات عسكرية هجومية عدائية”، حسب كولبي.

تحت المجهر
تُراقب حرب أوكرانيا بدقة، لا سيما في جزيرة تايوان الخاضعة للحكم الديمقراطي، التي يزعم الحزب الشيوعي الصيني أن له أحقية السيطرة عليها. لقد أجج الغزو الروسي شعوراً عميقاً بالإلحاح بين مواطني الجزيرة، كما يقول لو تشيه- تشينغ، أحد مشرعي الحزب التقدمي الديمقراطي الحاكم وعضو لجنة الشؤون الخارجية والدفاع الوطني في تايوان. قال لو: “اعتقد التايوانيون نفسياً فيما مضى أن الحرب مستحيلة. لكننا نرى جميعاً الآن أنها ممكنة، وأن الصيغة والتطور والتقنيات المستخدمة في الحرب تختلف جميعها عما تخيلناه من قبل. قال وزير دفاعنا إن المسؤولين يراقبون تطور الحرب في أوكرانيا يومياً، لذا من المؤكد أنهم تعلموا كثيراً منها”.

يرى لو أن أحد أهم الدروس المستفادة لدى الجزيرة يتعلق بأنواع الأسلحة التي تسعى لشرائها. لطالما شعر المسؤولون الأمريكيون بالإحباط بسبب رغبة تايوان بشراء معدات براقة مثل مقاتلات “إف-16” أو دبابات “إم1 إيه1 أبرامز” عوضاً عن السعي لامتلاك قدرات غير المتكافئة من شأنها إلحاق ضرر أكبر بالصين. لكن هذا التوجه يتغير الآن. بيّن لو أن تايوان بحاجة لتجنيد قوات للحرب الإلكترونية والمعلوماتية، مضيفاً: “نحن بحاجة لعديد من المسيرات وصواريخ (جافلين) المضادة للدبابات وصواريخ أرض جو وأخرى مضادة للسفن”.

دروس متشابهة
خلُصت دولة مولدوفا الأوروبية الصغيرة الضعيفة عسكرياً، التي تبعد عن تايوان أكثر من ثمانية آلاف كيلومتر، لاستنتاجات مشابهة. قال فيوريل سيبوتارو، وزير الدفاع السابق: “تغير الحرب في أوكرانيا مفهوم ضمان أمن مواطنينا برمته. ستحتاج مولدوفا للتصدي لعدوان عسكري أسلحة حديثة مثل صواريخ (جافلين) وأنظمة الصواريخ المضادة للطائرات وأسلحة المشاة الخفيفة”. لفت سيبوتارو إلى أنه لا يُرجح أن تتضمن الاستراتيجية العسكرية للبلاد تركيزاً كبيراً على الدبابات أو الطائرات المقاتلة بسبب الكثافة السكانية العالية في مولدوفا والتكلفة الباهظة لهذه الأنظمة.

تستخلص دول البلطيق في أقصى الشمال دروساً مشابهة، غير أنها تنطوي على ميزانيات أضخم وأفضلية أكبر لعضويتها في حلف شمال الأطلسي. قال مسؤول دفاعي في شمال أوروبا عقب رؤية حصيلة القتلى المدنيين في ضاحية بوتشا بكييف إن دول المنطقة بحاجة للتحول إلى استراتيجية “الدفاع بالحرمان”، وذلك عبر شراء أنظمة تجعل نجاح أهداف غزو روسي مستحيلاً بدل عكس اتجاه الغزو بعد بدايته. وفقاً للمسؤول ذاته، ستشمل الاستراتيجية سالفة الذكر شراء أنظمة دفاع جوي بعيدة المدى ومنظومة “باتريوت” للصواريخ الدفاعية ودفاعات ساحلية معززة إضافة لمنظومات صغيرة مثل صواريخ “ستينغر”.

مرونة أوكرانيا
للحرب في أوكرانيا أيضاً تداعيات على ما يسميه المخططون العسكريون “هيكل القوة”، أي طريقة تنظيم الجيوش. أثبتت القوات الروسية خلال الأشهر الثلاثة الماضية ضعفها في مواجهة نظيرتها الأوكرانية الأكثر مرونة، حيث اعتمدت الأخيرة على فرق المشاة الصغيرة بينما استخدمت المركبات المدرعة للدعم فقط. قال مسؤول أوروبي إن أوكرانيا غيرت أيضاً الطرق والسكك الحديدية والمسارات الأخرى التي تستخدمها لإمداد قواتها، ما قلل من تعرضها للهجوم.

قالت ميشيل فلورنوي، وكيلة وزارة الدفاع الأميركية السابقة لشؤون السياسة، إن الحرب سلطت الضوء على الحاجة إلى “فرق أخف وأصغر يمكنها القيام بأعمال التخريب ثم الانتقال إلى المناطق الآمنة. عندما تواجه خصماً أقوى، فأنت بحاجة إلى القتال بطريقة غير متكافئة لتقويض نقاط قوته واستغلال نقاط ضعفه. عزز ذلك لدى الأوكرانيين أهمية الإدراك الأفضل للأوضاع، وخفة الحركة الأكبر في ساحة المعركة، والقدرة على استخدام القوة الفتاكة عبر التسلل بخفة وسرعة”.

يوافقها لو، النائب التايواني، الرأي حيث قال: “في أوكرانيا هناك نطاق أصغر للحرب، لكنه أكثر فاعلية… يجب أن تكون تكتيكاتنا أكثر قدرة على الحركة بوحدات أصغر بدلاً من العمليات العسكرية واسعة النطاق”.

كما تقدم الحرب دروساً تتعلق بالطريقة التي تتعاون بها الولايات المتحدة مع الجيوش الأخرى. قالت فلورنوي: “أود رؤية كل مساعداتنا الأمنية مستندةً لخطط أمنية مصممة خصيصاً لاحتياجات كل دولة على حدة تقوم على مفاهيم دفاعية تعزز قدرات القوى الأصغر لصد عدوان قوى أكبر”. بيّنت أن الطريقة التي تعتمدها الولايات المتحدة في التدريبات عسكرية تحتاج إلى تغيير على نحو خاص. يجب أن يكون هناك تركيز على التدريب والتخاطب بين القوات العسكرية وتوفير المستشارين. ستشرف القوات التقليدية على بعض التغييرات لكن يجب أن يأتي أكثرها من قوات العمليات الخاصة التي لعبت دوراً مهماً للغاية في ذلك في دول البلطيق”.

ما يزال الحديث عن الدروس المستفادة أسهل من تطبيقها. قالت فلورنوي: “عديد من الدول تراقب هذا الصراع وتقول إننا بحاجة لأن نكون مثل الأوكرانيين العازمين. لكنك تصطدم بالجمود البيروقراطي، فالشعوب والمؤسسات لا يحبون التغيير. بعض الدول لا تدعم أقوالها بالأفعال”.

لكن ليست الدول الصغيرة وحدها التي تستخلص الدروس من الصراع. تتعلم روسيا من أخطائها المبكرة، بدءاً من فشلها في تأمين خطوط الإمداد وتركها للدبابات عالقة على الطرق السريعة بلا وقود وصولاً لمعنويات الجنود السيئة. لذا فإن قواتها تحرز الآن تقدماً في شرق أوكرانيا.