الخميس 22 ذو القعدة 1445 ﻫ - 30 مايو 2024 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

هكذا أدارت المقاومة الحرب النفسية مع الاحتلال في غزة

ظهرت في العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة أهمية الحرب النفسية باعتبارها جبهة أساسية من جبهات هذه المعركة، وحاول كل طرف توظيف الدعاية للتأثير النفسي في مخاطبة جمهوره والجمهور المعادي.

ووفق لما أوردته كل من “موسوعة أكسفورد للتاريخ العسكري والدبلوماسي الأميركي” و”موسوعة الاستخبارات ومكافحة التجسس”، فإن الحرب النفسية تقوم بدور مهم جدا في حسم المعركة.

وبحسب المصدريْن السابقين، فإن الحرب النفسية تسعى إلى تحقيق أهداف عسكرية عبر التأثير على عقول العدو، وغالبا ما يكون ذلك عن طريق التلاعب بالمعلومات لتضليل العدو أو إضعاف معنوياته من خلال وسائل غير مميتة.

حيل الحرب
كانت الحرب النفسية إحدى حيل الحرب منذ فجر العنف المنظم، وقد أكد ذلك بقوة المفكر العسكري الصيني صن تزو في القرن الرابع قبل الميلاد في كتابه “فن الحرب” بقوله “إن القتال والانتصار في كل معاركك ليس أعلى درجات التميز، فالتفوق الأسمى هو كسر مقاومة العدو دون قتال”.

ولهذا الغرض تم استخدام الدروع المتقنة، والرسم على الوجه، والأعلام، واللافتات، وصرخات المعركة، والموسيقى العسكرية على المستوى التكتيكي لتعزيز معنويات الفرد نفسيا مع تخويف العدو في الوقت نفسه.

وعلى سبيل المثال، قامت القوات الجوية الألمانية في الحرب العالمية الثانية بربط صفارات الإنذار بالهياكل السفلية لقاذفاتها من طراز “ستوكا” (Stuka)، مما أدى إلى إصدار صوت صراخ أثناء هبوط الطائرة، وقد أنتج هذا تأثيرا مخيفا لدرجة أن القوات المدربة القادرة على تحمل وابل المدفعية هربت.

ومع ظهور تقنيات الاتصال الجماهيري في أوائل القرن العشرين، تطوّرت الحرب النفسية من حيلة تكتيكية إلى إستراتيجية، مما عزز بشكل كبير قدرة الحكومات على نشر الدعاية.

وفي عام 1917 اعتمد الجيش الأميركي مصطلح “الحرب النفسية” للإشارة إلى استخدام الثقافة أو المعلومات أو الإجراءات غير القتالية كمضاعف للقوة في حالة الصراع.

ويرسم الجيش الأميركي فروقا واضحة بين الشؤون العامة العلنية وعمليات المعلومات و”العمليات النفسية” التي تتمتع بمجال التضليل إذا لزم الأمر.

ورغم أن الحرب النفسية نشأت في سياق قتالي ضيق مع أهداف تكتيكية مثل كسر إرادة العدو في المقاومة أو تشجيع الاستسلام، فإن استخدامها اتسع ليصبح أكثر إستراتيجية مع أهداف تشمل تقسيم السكان على طول خطوط الصدع العرقية أو الإقليمية، أو دفعهم إلى الابتعاد عن قيادتهم.

في الحرب العالمية
وقد شهدت الحرب العالمية الأولى أول استخدام منهجي للحرب النفسية على نطاق واسع، فقد سعى البريطانيون من بداية الحرب إلى تقويض الدعم الدولي لألمانيا من خلال نشر الفظائع الألمانية، مثل الهجمات المزعومة على المدنيين البلجيكيين العزل في عام 1914 أو الإغراق غير المبرر لسفينة الركاب لوسيتانيا عام 1915.

كما أنتج كل من الألمان والفرنسيين صحائف (منشورات) إخبارية دعائية موجهة إلى الجنود والمدنيين في منطقة خط المواجهة. وعلى سبيل المثال، ذكرت إحدى المطبوعات الألمانية، واسمها “غازيت دي آردين” أن الجنود المغاربة والبريطانيين أنجبوا أطفالا من زوجات الجنود الفرنسيين.

ولم تكن الجهود النفسية في الحرب تستهدف العدو فحسب، بل القوات الصديقة؛ فقد عملت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) من خلال البث الموجه إلى أجزاء أوروبا الواقعة تحت السيطرة السوفياتية إلى رفع الروح المعنوية، وتوفير معلومات عن تطورات الحرب، ونقل المعلومات إلى جماعات المقاومة.

كما تم استخدام المنشورات على نطاق واسع خلال الحرب العالمية الثانية، إذ تشير التقديرات إلى أن الطائرات الأميركية والبريطانية أسقطت نحو 30 منشورا لكل رجل وامرأة وطفل في أوروبا الغربية.

الحرب الباردة
خلال حقبة الحرب الباردة تم إنشاء بنية تحتية مؤسسية للحرب النفسية في الولايات المتحدة، إذ كانت الدعاية “البيضاء” أو العلنية من مسؤولية وكالة المعلومات الأميركية، في حين كانت الدعاية “السوداء” و”الرمادية”، التي تشمل التضليل وإخفاء مصادر المعلومات، تحت رعاية مكتب تنسيق السياسات التابع لوكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) التي أنشأت إذاعة أوروبا الحرة وإذاعة ليبراسيون التي عُرفت فيما بعد باسم راديو الحرية.

وفي عام 1962، نشر الجيش الأميركي أول دليل ميداني له “إف إم 33-5” حول هذا الموضوع، واستبدل مصطلح الحرب النفسية بالعمليات النفسية.

كما قامت العمليات النفسية بدور مركزي في حرب فيتنام، إذ تم إلحاق الأفراد المدربين في الشؤون المدنية والسياسية بوحدات القوات الخاصة.

واستخدم الجيش ومنظمة دعم العمليات المدنية والتنمية الريفية “كوردز” (CORDS) التابعة لوكالة المخابرات المركزية العمليات النفسية، من بين تكتيكات أخرى، لتأمين “تهدئة” الأراضي، وتعزيز إعادة إعمار الريف، وتشجيع أنصار الفيتكونغ على الانشقاق إلى الجانب الفيتنامي الجنوبي.

ومع تزايد أهمية العمليات النفسية العملية، فقد ساءت سمعتها أيضا بفعل الجدل المحيط بأساليب “كوردز”، ولأن القوى التقليدية لا تثق في الطبيعة غير الملموسة للعمليات النفسية العملية.

    المصدر :
  • الجزيرة